قصة وعد بلفور المشؤوم

أطراف وعد بلفور، وقصته الكاملة.. وأهم ما قيل فيه، وذكرى وعد بلفور المشؤوم في فلسطين وعند الفلسطينيين

تاريخ النشر: 18/12/2016
آخر تحديث: 08/02/2017
وعد بلفور: وعد من لا يملك لمن لا يستحق1

في هذه المادة؛ سنستعيد قصة وعد بلفور، ونتذكر معاً الظروف العربية، والدولية التي أحاطت به، كما سنسلط الضوء أكثر على الأطراف المعنية بتنظيم وإصدار هذا التصريح.

قبل أن تنتهي الحرب العالمية الثانية، التي خلقت أقطاباً جديدةً للنزاع على النفوذ السياسي، والعسكري في العالم، وقبل أن تلحق بها الحرب الباردة التي انتهت بسيادة الولايات المتحدة الأمريكية على القرار العالمي، كانت إنجلترا وفرنسا تشتركان في التخطيط لسياسات العالم كلِّه، خاصة بعد التخلص من الإمبراطورية العثمانية والألمانية في الحرب العالمية الأولى، حيث كان للشرق الأوسط حصته من تآمر أسياد ذاك العالم، كما يُعتبر وعد بلفور المشؤوم، أحد الفصول المظلمة من تلك الحقبة، وأحد الأسباب الأساسية لتغيير تاريخ فلسطين الحديث.

حافظت بلاد الشام على وحدتها الطبيعية حتى الحرب العالمية الأولى

لم تكن دول الشرق الأوسط على حالها اليوم، حيث ضمَّت (سوريا الطبيعية) أو (سوريا الكبرى) المنطقة الممتدة من جبال طوروس في الشمال، حتى البحر الأحمر في الجنوب، بين ساحل المتوسط غرباً، والخليج العربي شرقاً، فهذه المنطقة تشكل إقليماً جغرافياً موحَّداً، كما أنَّ شعوب هذه المنطقة، تجتمع في أغلب مراحل التاريخ تحت ظروف سياسية، ودينية مماثلة، على الرغم من تعدد الممالك في سوريا القديمة، وبلاد الرافدين، إلا أن هذه الممالك كانت تتوسع وتضيق، قبل وجود النزعة القومية، والدينية كعنصر أساسي في ترسيم حدود الدول.

كما خضعت هذه المنطقة كلها للخلافة الإسلامية على طول الفترة الممتدة بين سقوط إمبراطورية الساسانيين (بلاد فارس) سنة11هـ/633م بيد المسلمين، ثم دخول مدينة دمشق سنة 13هـ/634م، في عهد أول خلفاء الإسلام أبو بكر الصديق رضي الله عنه، فدخول القدس في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 15هـ/636م، وحتى انهيار الإمبراطورية العثمانية مطلع القرن العشرين الميلادي، من منطلق أنَّ الأخيرة كانت تمثل الخلافة في بعض مراحلها على الأقل، كما لا تخلو هذه المرحلة (الإسلامية) لسوريا الكبرى، من بعض الفترات التي خرجت فيها عن سيطرة المسلمين، في الحروب الصليبية، والغزو المغولي (قبل إسلام المغول)، لكن الفترة بالمجمل، يمكن أن يُطلق عليها (الفترة الإسلامية)، بذلك يحمل وعد بلفور، واتفاقية سايكس بيكو، المسؤولية الكبرى بتفتيت وحدة هذه المنطقة، ثم قيام دولة الاحتلال الإسرائيلي، التي ثبتت هذا الانفصال.

كان روتشيلد صلة الوصل بين بلفور ووايزمن

من هو آرثر جيمس بلفور؟

آرثر جيمس بلفور (Arthur James Balfour 1848-1930)، وزير خارجية بريطانيا العظمى فترة الحرب العالمية الأولى، تبوأ منصبه بين عامي 1916 و1919، في أكثر مراحل الحرب حساسيةً، وكان قبل ذلك رئيساً للوزراء، كما أنَّ له تاريخاً سياسياً حافلاً، لكن اسمه ارتبط بشكل أساسي؛ بالوعد الذي أعطاه لليهود، بمساعدتهم على إقامة دولة قومية (للشعب اليهودي) في أرض فلسطين، هذا الوعد الذي يُعتبر الخطوة الكبرى في تطور الحركة الصهيونية والعصابات الصهيونية إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.

من هي عائلة روتشيلد ومن هو اللورد والتر؟

يعود تاريخ عائلة روتشيلد (Rothschild family) إلى القرن السادس عشر، وهي عائلة يهودية من أصول ألمانية، اشتهرت بنفوذها المالي الكبير في الدول الأوروبية، بدأت ثروتهم من تجارة النفايات، ثم تحول الجد الأكبر ماير روتشيلد إلى تجارة العملات والمصارف، فأصبحت العائلة تسيطر سيطرة كاملة على عدة دول في العالم، بعد أن قدمت مصارفها قروضاً إلى الدول الأوروبية، وإلى مصر زمن الخديوي إسماعيل (1830-1895)، كما اضطرت مصر لبيع أسهمها في قناة السويس لسد تلك الديون.

من جانب آخر توزعت فروع العائلة في خمس دول أوروبية، مركزها الأساسي بريطانيا، حيث كان يعيش بطل وعد بلفور اللورد ليونيل وولتر روتشيلد (Lionel Walter Rothschild)، فهو البارون الثاني في العائلة، وأحد أهم أعضائها، على الرغم من ميوله المختلفة عن باقي أفراد العائلة، حيث كان قد استهواه علم الحيوان منذ طفولته، فبحث فيه، وقدم العديد من الدراسات، كما أنَّ روتشيلد كان صهيونياً متحمساً، وعلى علاقة وثيقة مع الصهيوني الروسي حاييم وايزمن (Chaim Weizmann 1874-1952) الذي كان الرجل الثاني في الحركة الصهيونية بعد مؤسسها تيودر هرتزل (Theodor Herzl 1860-1904‎)، فكان روتشيلد هو صلة الوصل الأساسية، بين وايزمان وبلفور، وأول عضو يهودي في مجلس العموم البريطاني عام 1910، إضافة إلى كونه رئيس فرع المنظمة الصهيونية في بريطانيا، توفي اللورد روتشيلد عام 1937، عن عمر يناهز التاسعة والستين.

من هو حاييم وايزمان؟

ولد حاييم وايزمان في روسيا عام 1874، درس الكيمياء الحيوية (Biochemistry)، وتنقل بين سويسرا، وألمانيا، ثم انتخب عضواً في المنظمة الصهيونية العالمية في بريطانيا عام 1905، كان من أنشط أعضاء المنظمة، حيث قدم خدمات علمية وعسكرية كبيرة للجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى، خاصة فيما يتعلق باختراع الأسيتون الصناعي (Acetone or Propanone)، الذي كان له دور في تطوير الصناعات العسكرية الإنجليزية، كما كان وايزمان العنصر الأهم في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا بفكرة إنشاء الوطن القومي لليهود في فلسطين العربية.

إضافة إلى تزعُّم الوفد الصهيوني إلى مؤتمر الصلح في فرساي الفرنسية 1919، وتأسيس الجامعة العبرية في فلسطين التي افتتحها عام 1925، بحضور بلفور (علماً أنَّها كانت الزيارة الوحيدة التي قام بها بلفور إلى فلسطين)، وكان وايزمن أول رئيس للوكالة اليهودية (the Jewish Agency) عام 1929، كما أسس لاحقاً معهد دانيال للبحوث (Daniel Sieff Research Institute) في فلسطين عام 1930، والذي يعتبر اللبنة الأساسية في البحث العلمي في دولة الاحتلال، ثم أصبح أول رئيس لدولة الاحتلال الصهيوني عام 1949، حتى وفاته عام 1952، هو بذلك كلِّه؛ عرَّاب وعد بلفور، واللاعب الأساسي في إقناع الدول الكبيرة بقبول الدولة القومية، والعدول عن قرارات الحد من هجرة اليهود إلى فلسطين عام 1939.

وايزمن والأمير فيصل

اتفق أمير مكَّة الشريف حسين بن علي مع البريطانيين، على خوض الحرب إلى جانبهم، مقابل الحصول على الاستقلال للبلاد العربية (بلاد الشام والحجاز والعراق) بعد سقوط العثمانيين، لكن جمال باشا السفاح والي دمشق التركي، أرسل إلى الشريف حسين يبلغه عن اتفاقية سايكس- بيكو الشهيرة، التي وقَّعها الإنجليز والفرنسيون، وروسيا القيصرية،  وكشفت عنها الثورة الشيوعية بعد انتصارها في روسيا عام 1917، وعرض عليه العودة إلى الصف التركي، كما ذاع خبر وعد بلفور (الذي سنتناول نصه لاحقاً)، فبدأ الشريف حسين مراسلته مع بلفور والمسؤولين البريطانيين، لتذكيرهم بوعود الوحدة والاستقلال، فكان لقاء وايزمن، والأمير فيصل بن الشريف حسين عام 1918، الذي يعتبر الناطق الرسمي باسم الثورة العربية الكبرى آنذاك، حيث التقيا في معان الأردنية، لبحث قضية وعد بلفور، والدولة الموعودة، وسنأتي على ذكر التفاصيل في الفقرات القادمة.

قصة ذكرى وعد بلفور

كانت عائلة روتشيلد من أكبر ممولي الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وكان البارون والتر متحمساً للحركة الصهيونية، حيث شكَّل ورقة ضغط أساسية في يد حاييم وايزمان على الحكومة البريطانية، لاستصدار اعتراف رسمي بحق اليهود في إقامة وطن قومي في فلسطين، ومن بين المراسلات السابقة للوعد المشهور، أرسل اللورد روتشيلد رسالةً إلى بلفور في تموز/يوليو عام 1917، يحدد فيها صيغة الوعد الذي ترغب الصهيونية بالحصول عليه،  فرد عليه بعد يوم واحد مؤكداً، التزام الحكومة البريطانية بمساعدة الصهيونية على إقامة الوطن القومي في فلسطين، وكان هذا الرد هو المسودة لوعد بلفور، الذي صدر في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917.

حيث تلقى اللورد روتشيلد من الحكومة البريطانية، رسالة موجهة إلى عنوانه في لندن- بيكادلي 148 (Piccadilly148)، على لسان وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور، تضمن وعداً لليهود، بالمساعدة على إقامة وطنٍ قوميٍ لهم على أرض فلسطين، وكان ذلك قبل دخول القوات الإنجليزية إلى غزة قادمةً من مصر بخمسة أيام، حيث دخل الجنرال اللمبي (Edmund Henry Hynman Allenby) إلى غزة في السابع من الشهر نفسه.

نص وعد بلفور بالإنجليزي والعربي

تم الاحتفاظ بالنسخة الأصلية من وعد بلفور في المكتبة الوطنية البريطانية، على اعتبارها وثيقة تاريخية مهمة، ولم تغادر الوثيقة بريطانيا حتى عام2014، عندما وافقت إدارة المكتبة على إعارة الوثيقة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، بقصد عرضها في المتحف، نورد نص الوثيقة الأصلي باللغة الإنجليزية، وترجمته العربية:

النص الإنجليزي لوعد بلفور المشؤوم

"Foreign Office

November 2nd، 1917

Dear Lord Rothschild،

I have much pleasure in conveying to you. on behalf of His Majesty's Government، the following declaration of sympathy with Jewish Zionist aspirations which has been submitted to، and approved by، the Cabinet

His Majesty's Government view with favour the establishment in Palestine of a national home for the Jewish people، and will use their best endeavors to facilitate the achievement of this object، it being clearly understood that nothing shall be done which may prejudice the civil and religious rights of existing non-Jewish communities in Palestine or the rights and political status enjoyed by Jews in any other country.

I should be grateful if you would bring this declaration to the knowledge of the Zionist Federation.

Yours،

Arthur James Balfour"

نص وعد بلفور باللغة العربية

"وزارة الخارجية

الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917

عزيزي اللورد روتشيلد،

يسرني جداَ أنْ أبلغكم، بالنيابة عن حكومة جلالته، التصريح التالي الذي ينطوي على التعاطف مع أماني اليهود والصهيونية، والذي عُرض على مجلس الوزراء، ووافق عليه:

تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل قصارى جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم بوضوح أنَّه لن يتم القيام بشيء من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية للمجتمعات غير اليهودية القائمة في فلسطين، أو الحقوق، أو الوضع السياسي، الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر.

وسأكون ممتناً إذا ما نقلتم هذا الإعلان إلى الاتحاد الصهيوني.

تقبلوا الاحترام والتقدير

آرثر جيمس بلفور"

نتائج وعد بلفور

نشرت الصحف حول العالم قصة الوعد بعد أسبوع واحد من صدوره، ثمَّ سرَّبت الثورة الشيوعية الروسية قصة اتفاقية سايكس-بيكو في نفس الفترة، فبدأت المحاولات الحثيثة من قبل الشريف حسين، وابنه الأمير فيصل، لفهم حقيقة الأمر من البريطانيين، الذين قدموا الوعود باستقلال البلاد العربية، لكن كلَّ ذلك لم يكن ذا جدوى، حيث بدأت الهجرة اليهودية تتزايد طرداً باتجاه فلسطين المحتلة، وأخذ الشريف حسين وابنه فيصل ملكية الحجاز، وسوريا، ثم العراق، والأمير عبدالله بن الحسين أسس إمارة شرق الأردن، لكن الخطوة التالية لوعد بلفور، والتي اعتبرت أولى خطوات الوفاء بالوعد، كانت إعلان الأمم المتحدة الانتداب الإنجليزي على فلسطين عام 1922، حيث استمر هذا الانتداب حتى يوم الرابع عشر من أيار/مايو عام 1948، وتم إعلان قيام دولة الاحتلال في اليوم التالي مباشرة.

قالو في وعد بلفور

يقول وايزمن في رسالته إلى أحد الصحفيين الصهاينة عام 1916:

"في حالة وقوع فلسطين في دائرة النفوذ البريطاني، وفي حال تشجيع بريطانيا استيطان اليهود هناك، سنستطيع نقل مليون يهودي أو أكثر إليها، خلال عشرين أو ثلاثين سنة، فيطورون حارساً فعالاً لقناة السويس..."

يقول لويد جورج، رئيس الوزراء البريطاني أيام إطلاق الوعد، في كتابه (الحقيقة حول معاهدات الصلح):

"... أنَّ أسباباً دبلوماسية وعسكرية حققت إجماع الوزراء حول موضوع الوعد، حتى السيد مونتاجي (وزير الهند الذي عارض الوعد بداية)، استسلم وقبل بالتصريح بصفته ضرورة عسكرية".

أشهر ما قيل في وعد بلفور أنَّه "وعد من لا يملك، لمن لا يستحق".

يقول جمال باشا السفاح والي الشام، في رسالته إلى  الملك فيصل بعد إعلان الوعد، والكشف عن سايكس-بيكو عام 1918:

"لقد خدعتكم بريطانيا بالاستقلال، فثُرتم ضدنا، لكن الوثائق التي كشفها الثوار الروس، تكشف أن تلك الوعود محض زور، وإفك، لأن النوايا الحقيقية لدى الحلفاء هي اقتسام البلاد العربية، ووضعها تحت حكم أسياد أجانب"

ختاماً... هناك العديد من النظريات بخصوص الدوافع البريطانية لإصدار ذلك الوعد، منها أنَّه كان وفاءً لوايزمن لقاء ما قدمه من خدمات علمية-عسكرية، لكنها نظرية رومانسية، تحاول التخفيف من وطأة الخديعة الكبرى التي ينطوي عليها الوعد، وما تزال الدول العربية تدفع ثمن تلك المؤامرة التي حيكت خيوطها قبل مائة عام.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر