ما هي الأسطورة؟

ما الفرق يبن الأسطورة والملحمة وغيرها من المصطلحات؟
تاريخ النشر: 16/10/2016
آخر تحديث: 20/10/2017
صور بعض الأساطير

يقول الشاعر الفرنسي باتريس دولاترو (Patrice Delatour)، "الشعب الذي لا أساطير له يموت من البرد"، حيث أن كل شعب من الشعوب القديمة ابتدع أساطيره، التي استطاع من خلالها الإجابة عن الكثير من الأسئلة التي راودته عن الخلق وطبيعة الأشياء، كما ساهمت الأساطير في توسيع معرفتنا عن مراحل التاريخ القديم، وآلية التفكير المقدس المتبعة من قبل أجدادنا القدامى.

منذ اختراع الكتابة، تسابقت الشعوب لتدوين الأفكار والأحداث بأشكال متعددة، لنجد في يومنا هذا إرثاً كبيراً من الأساطير والملاحم الشعرية، إضافة إلى الحكايات الشعبية، لكن ما الفرق بين تلك المصطلحات؟، وما هي الوظيفة الحقيقية لتلك النصوص الدينية والأدبية القديمة؟، هذا ما سنحاول الإجابة عنه من خلال هذه المادة.

1

"انتقل العالم القديم إلى مرحلة جديدة بعد اختراع الكتابة"

شهدت المرحلة بين عامي 3500 ق.م __2300 ق.م، تطوراً مهماً في حياة الشعوب القديمة، وفي منطقة الرافدين بشكل أساسي، حيث تم تطوير شكل الكتابة بشكل كبير، لتبدأ مرحلة التدوين الغزير، كما تعتبر حضارات الشرق القديم السباقة إلى اختراع الكتابة بشكلها البدائي، حيث عرف المصريون الكتابة الهيروغليفية حوالي عام 2300 ق.م، كذلك البابليون استخدموا أشكالاً من الكتابة الصورية أقل تعقيداً من الهيروغليفية المصرية، ثم شهد العالم ولادة الكتابة بشكلها الأبجدي المتكامل في أوغاريت حوالي العام 1500 ق.م.

انعكس اختراع الكتابة بشكل مباشر على الحياة اليومية للشعوب القديمة، حيث تمكنت تلك الشعوب من كتابة نصوصها الدينية وحفظها، ثم تدريسها، كما تمكنت من تسطير المعاهدات والوثائق الرسمية، فلعبت تلك الوثائق دوراً محورياً في الكشف عن مرحلة مهمة من مراحل التاريخ الإنساني، فضلاً عن كتابة الملاحم الشعرية تمجيداً للأبطال والملوك، وإن كان قد وصلنا العديد من الألواح الطينية والوثائق التي كتبها الأولون، إلا أن الباحثين يعتقدون أن ما تم تناقله شفهياً أكثر بكثير من المكتوب، وما زال الباحثون يحاولون توثيق الموروث الشعبي الشفهي حتى يومنا هذا، إضافة إلى محاولة إيجاد الروابط بين النصوص القديمة والمنقول الشفهي.

2

ما هي الأسطورة وما معناها؟

الأسطورة (Myth) هي النص المقدس، الذي فسر من خلاله الإنسان علاقاته بالطبيعة والأشياء، من وجهة نظر روحانية، فالأسطورة تتحدث دائماً عن حادثة خلق لشيء ما، بدء من خلق الكون، وليس انتهاء بخلق العناصر الطبيعية، كما فسر الظواهر الطبيعية أيضاّ من خلال النص المقدس ذاك، ليمزج بين الحقيقة والخيال، وبين المعلوم والمجهول، في صيغة فنية مقدسة.

لم يتفق الباحثون في علم الأساطير والنصوص القديمة (Mythology) على تعريف محدد للأسطورة، فمنهم من فصلها عن الملحمة، في حين رأى آخرون أنها والملحمة جنس واحد، لكن بصيغة مختلفة، كما اختلفوا حول واقعية أحداثها، فمنهم من اعتبرها ناضحة بالخيال لا تحمل ما هو واقعي، ومنهم من رأى أن لأحداثها صبغة الحقيقة، وإن احتوت على قدر من الخيال، لكنها تستند في أساسها إلى أحداث تاريخية شهدها العالم وتناقلها سكانه.

لكن هناك مميزات ثابتة للأسطورة، تشكل معاً ما يشبه التعريف الوافي لهذا الجنس الأدبي القديم، فما هي تلك الميزات أو الخصائص؟.

3

"هناك خمسة خصائص أساسية تميز الأسطورة عن غيرها"

تتميز الأسطورة عن غيرها من الأجناس الأدبية القديمة بخمسة خصائص أساسية، لا تشترك فيها مع غيرها بحتمية توافرها، حيث نجد منها ما هو موجود في بعض الملاحم، لكنه غير موجود في غيرها، بينما هي خصائص حتمية لتكوين النص الأسطوري، وهي:

القداسة

تعتبر القداسة السمة الأكثر وضوحاً في النص الأسطوري، فأبطال الأسطورة من الآلهة، والحادثة الأسطورية حادثة مقدسة يحتفى بذكراها كل عام، كما لم تكن الأسطورة متاحة للعامة مثل الحكاية الشعبية أو الخرافة، إنما كانت حكراً على الكهنة، محفوظة في المعابد، حيث يتم تلاوتها ضمن طقوس معينة، وفي مناسبات خاصة، كما يتم إعادة تمثيلها بشكل مسرحي طقسي، على غرار إعادة تمثيل خلق الكون، من خلال أسطورة "إينوما إليش" (ترجمتها الحرفية، عندما في الأعالِ)، حيث تروي القصة وجهة النظر البابلية في خلق الكون، وتتم إعادة تمثيلها في طقس سنوي احتفاءً بذكرى التكوين.

الخلق

تختص الأسطورة بسرد حدث خلقٍ جديدٍ تماماً، فيتم توظيف الأحداث جميعها لتفسير وجود موضوع الأسطورة، فإما أن يكون هذا الخلق كاملاً، على غرار أساطير التكوين بجميع نسخها حول العالم، حيث تفسر أساطير التكوين أول وجود للكون، وإما أن يكون الخلق جزئياً؛ فيفسر خلق الأشياء بعد خلق الكون، على غرار أساطير العالم السفلي، التي تتحدث عن رحلة الآلهة السنوية إلى عالم الأموات، ثم عودتها لتفسر من خلالها تعاقب الفصول.

الزمان والمكان مجهولين

لا تدور أحداث الأسطورة في زمان معلوم، حيث أن تلك الأحداث تدور في نطاق زمني مختلف عما نألفه من الزمن، إنه من وجهة نظر كاتب الأسطورة، زمن مقدس، مغاير لكل ما نعرفه عن الزمن، كما أن مكان الأحداث هو أيضاً مكان مقدس، لا نعرف عنه شيء، ولا يشبه شيء مما نعرفه.

الكاتب المجهول

لا يعرف كاتب بعينه للأسطورة، حيث كتبت على ما يبدو بمجهود جماعي، من قبل مجموعة من كهنة المعابد، وخصصت للعبادة، دون أن يكون هناك من يطلب مجداً شخصياً من كتابتها، فهي لم تنبع من عقل مبدع بهدف الإبداع، وإنما حتمت وظيفته الدينية أن تبقى مجهولة الكاتب.

المرجع الديني الأول

تعتبر الأسطورة المرجع الديني الأول والأساسي للشعوب التي عاصرتها، فهي توضح من خلال نصوصها معايير الرضا والغضب لدى الآلهة، فتسهب بشرح ما يفضله الآلهة من الأفعال، وما يكرهونه، كما ترسم شخصية الإله بكل مميزاتها، هذا ما جعلها تحافظ على استقرار كبير نسبياً، فبقيت على حالها ما دامت ملهمة للمؤمنين.

هذه هي الخصائص الأساسية التي تميز النص الأسطوري، سواء من حيث الشكل أو المضمون، فهو نص فريد عن غيره، يعمل عمله المقدس، دون أن يُعرف له زمان أو مكان، كما لا يُعرف له كاتب، فما هي أوجه الاختلافات الأخرى بينه وبين الأجناس الأدبية المختلفة؟.

4

"يتم الخلط غالباً بين الأسطورة والملحمة"

يعتقد البعض أن وجود الآلهة في النص الأدبي يجعل منه أسطورة، أو أن الخيال هو ما تعتمد عليه الأساطير، لكن الحقيقة أن هناك أجناس أدبية مختلفة عن الأسطورة، في شكلها ومضمونها، كما أن تلك الاختلافات متفاوتة في وضوحها.

أولاً: الحكاية البطولية

الحكاية البطولية من أقرب الأعمال الأدبية القديمة إلى الأسطورة، إلا أنها ليست نصاً مقدساً، حيث تحتمل الصدق والكذب، كما سنجد الآلهة يتدخلون في تسيير أحداثها، لكن بصورة أكثر بشرية من الأسطورة، فهم أقرب إلى إنسان فائق القدرات من كونهم آلهة، أو أنهم آلهة حقيقيون لكنهم متصلون بالبشر بصفات بشرية خالصة، كما أن هناك نوعين للحكاية البطولة:

  1. الليجندة (Legend): وهي قصة بطولية غير مثبتة، على الرغم من إيمان البعض بحصولها، يتميز أبطالها بكرامات وقدرات فوق بشرية، كما أنها تموج بالمبالغات الكثيرة، وغالباً ما تتناول شخصيات شعبية محبوبة، كما تتصل بعوالم أخرى، كالجن والآلهة، لكنها تبقى أكثر تصديقاً من الخرافة.
  2. الملحمة (Saga): أما الملحمة؛ فهي تأليف شعري طويل، يتميز بمستواه الفني العالي، يقص سلسلة من البطولات والأعمال لشخصية عظيمة، كالملوك والقادة، على غرار ملحمة جلجامش، إضافة إلى أن الملحمة غالباً ما تحمل في طياتها شخصيات حقيقية موجودة في التاريخ، يتم تعظيم قدراتها، والتهويل من شأنها، وتكون مؤيدة من الآلهة أيضاً، على غرار ملحمة الإلياذة الشهيرة لهوميروس، التي تأخذ طابعاً إخبارياً، فالإلياذة تؤرخ لحرب اسبارطة وطروادة، لكنها تضع أبطالها في مكان أسمى من العامة، يمتلكون قدرات خارقة، كما يتصلون مع الآلهة التي تتحارب من أجلهم، وتعد الملحمة أكثر تفصيلاً من الليجندة.

ثانياً: الخرافة

يسهل تمييز الخرافة عن الأسطورة، فهي حكاية بطولية صغيرة مشكوك بأمرها، تتناول أشخاص أقل شأناً من أبطال الملاحم والليجندة، ويستنتج منها بعض المواقف التي تتوارثها الشعوب، ففي العربية؛ أتى مصطلح خرافة من قصة رجل اسمه خرافة، وهو من بني عذرة، غاب عن قبيلته أياماً، فلما عاد روى أن الجن اختطفوه، كما قص عليهم أحداثاً غريبة وعجيبة، فلم يصدقه أحد، بل صار العرب يقولون عن الحديث الكاذب أو المبالغ فيه (حديث خرافة).

ثالثاً: الحكاية الشعبية

تبتعد الحكاية الشعبية عن التأملات الفلسفية الوجودية، لتحمل رسائل اجتماعية وتربوية في بعض الأحيان، مما يحتم عليها تبسيط بنائها اللغوي والمعنوي، فنجدها سهلة في تراكيبها وصياغتها، أقل مبالغة من غيرها، كما أنها بعيدة تمام البعد عن القداسة، أو عوالم الجن والآلهة، إنما هي حكايات بسيطة عن أشخاص استثنائيين ينتمون إلى المجتمع، على غرار سيرة أبو زيد الهلالي، وعنترة ابن شداد.

من خلال هذه التعاريف المختصرة، نتمكن من الفصل بين الأسطورة وغيرها من الموروثات الشعبية.

أخيراً...لم يعد من الممكن التصديق بالأساطير في يومنا هذا، إلا أنها كانت في يوم من الأيام نصوصاً مقدسةً، يتم تصديقها حد الإيمان بها، أما نحن؛ فنتعامل معها كإرث حضاري مهم، وأداة لإدراك ألية تفكير أجدادنا القدامى، إضافة إلى كونها تعتبر من مراجع تطور الأدب عبر التاريخ.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر