تاريخ فلسطين الحديث قبل الاحتلال (1900-1948)

جذور القضية الفلسطينية.. ونشأة دولة الاحتلال الصهيوني، وتاريخ فلسطين الحديث قبل احتلالها

تاريخ النشر: 18/12/2016
آخر تحديث: 04/04/2017

تُعتبر فلسطين حتى اليوم، القضية الرئيسية في الشرق الأوسط، حيث تنعكس تطوراتها على دول الجوار، والدول العربية بشكل عام، سنحاول تتبع صراع الفلسطينيين والعرب مع المشروع الصهيوني قبل قيام دولة الاحتلال.

منذ انهيار دولة المماليك أمام الجيوش التركية بدايات القرن السادس عشر بدأ عصر جديد، ليس بالنسبة للعرب فحسب؛ إنَّما بالنسبة للعالم أجمع، فقد سقطت امبراطوريات الشرق العربية، والتي في حكمها، وحلَّت محلَّها الإمبراطورية العثمَّانية، كما أنَّ اكتشاف أميركا قبل ذلك بسنواتٍ قليلة، كان له أيضاً تأثيرات كبيرة على تاريخ العالم، لكن الأهم، أن منطقة الشرق الأوسط، تعتبر من أكبر ساحات الصراع الدولي مذ ذاك الوقت، حيث لم يهنأ العرب باحتفالات الاستقلال من الدولة التركية، حتى خضعوا للاحتلال الفرنسي، والإنجليزي، والإيطالي، كما لم تنتهي فترة الاحتلال هذه، إلا بانتزاع كبد بلاد الشام، وإنشاء دولة الاحتلال الإسرائيلي على أرض فلسطين المحتلة.

في هذه المادة؛ سنستعرض أهم المراحل التاريخية التي مرت بها القضية الفلسطينية، منذ مطلع القرن العشرين، وحتى قيام دولة الاحتلال، مروراً بالاتفاقيات العربية والدولية في هذه الفترة، كما سنقف على الحراك الفلسطيني والعربي المناوئ لقيام دولة إسرائيل.

فلسطين تحت الحكم العثماني

سيطر الأتراك (العثمَّانيون) على بلاد الشام بعد هزيمة المماليك في معركة مرج دابق، في آب/أغسطس عام 1516، فقسَّموا فلسطين إلى خمس مناطق (سناجق): سنجق القدس، صفد، نابلس، إضافة إلى سناجق اللجون، وغزَّة، كما كانت هذه السناجق تابعةً لولاية الشام، لكنَّها تمتعت بحكمٍ محلي، حيث حافظ العثمَّانيون على الهوية الإسلامية لفلسطين، من منطلق أنَّ الدولة العثمَّانية هي دولة الخلافة الإسلامية، كما تمَّ في عهدهم ترميم العديد من معالم القدس، ومرافق المسجد الأقصى، وبقي الأمر كذلك حتى السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر، التي شهدت ولادة الحركة الصهيونية، من خلال إصدار كتاب (الدولة اليهودية)، للصحفي النمساوي اليهودي تيودور هيرتزل (Theodor Herzl)، فانعقد المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل السويسرية، في آخر ثلاثة أيام من شهر آب/أغسطس عام 1897.

القرن الجديد وولادة الصهيونية

بعد أن عقدت الصهيونية أول مؤتمر لها، أعلن الصهاينة عن تأسيس (المنظمة الصهيونية العالمية)، كما أعلنوا جهراًً عن هدفهم بإقامة (وطن قومي لليهود في أرض فلسطين)، وذلك من خلال عدة خطوات أبرزها:

  1. تشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين.
  2. وإقامة الوكالة اليهودية التي سترعى هذا الانتقال.

فبدأ القرن الجديد مع محاولات صهيونية حثيثة للحصول على الدعم الدولي، في سبيل إقامة الوطن الموعود في أرض الميعاد، حيث أجرى هيرتزل اتصالات كثيفة مع عدة أطراف دولية، أهمُّها السلطان العثمَّاني عبد الحميد الثاني، لكن رد السلطان جاء حاسماً عام 1901 "لا أستطيع أن أتخلى عن شبر واحد من أرض فلسطين..."، كما أنَّ هيرتزل مات عام 1904، قبل أن يرى نتائج أعماله، لكن الصهيونية لم تمت وقتها، بل استمرت بالسعي الدؤوب للوصول إلى فلسطين، خاصة وأن السلطان عبد الحميد فرض قيوداً كثيرة على هجرة اليهود إلى فلسطين، والبيع والشراء فيها.

انتهت الحرب العالمية الأولى بتقسيم بلاد الشام

بقيت قوانين عبد الحميد الثاني المتعلقة بالحدّ من وصول اليهود إلى فلسطين سارية المفعول، علماً أن بعض الباحثين يشككون في صدق نواياه، حيث نشرت الباحثة الأردنية فدوى نصيرات كتابها (دور السلطان عبد الحميد الثاني العثمَّاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين 1876- 1909) مشكِّكةً بنوايا السلطان، لكن الثابت أن قوانين الحد من الهجرة استمرت حتى الإطاحة به من قبل حزب الاتحاد والترقي التركي عام 1909.

وما يزال بعض المحللين يعتبرون أنَّ هناك ارتباطاً بين الاتحاد والترقي وبين الحركة الصهيونية، خاصةً أنَّ الترقي لم يقضِ على النظام السلطاني؛ بل بايع السلطان محمد - شقيق السلطان عبد الحميد - واستمرت السلطنة العثمَّانية (الرجل المريض) حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، فبدأ الإنجليز والفرنسيون بإحصاء أملاك الإمبراطورية العثمَّانية، ومنها فلسطين، حيث وصلت القوات الإنجليزية إلى رفح، وطردت منها الجنود الأتراك عام 1917، لتخرج فلسطين من الاحتلال العثمَّاني إلى الاحتلال الإنجليزي.

أما الدولة العثمَّانية، فقد أنهى عهدها أبو الأتراك كمال أتاتورك، حيث يعتبر وصول أتاتورك إلى حكم تركيا، نهاية الارتباط بين العرب والأتراك، سواء بالرابطة الدينية أو غيرها، فتركيا الحديثة تختلف كثيراً عن السلطنة التي اعتبرت العرب جزءاً مهماً من سلطانها، كما لم تعد فلسطين مدرجةً على جدول أعمال تركيا الحديثة.

سايكس بيكو ووعد بلفور

شارك العرب في الحرب العالمية الأولى طمعاً بالحصول على استقلالهم، كما أن الدولة العثمَّانية كانت قد تمادت في بطشها، خاصة في عهد جمال باشا السفاح والي دمشق، الذي أوغل في القتل، حتى أن السوريين واللبنانيين ما زالوا إلى يومنا يحتفلون بعيد الشهداء، في السادس من أيار من كل عام، إحياء لذكرى المناضلين الذين أعدمهم السفاح في الساحات العامة.

أما عن (الثورة العربية الكبرى) فكانت بقيادة الشريف حسين نقيب أشراف الحجاز، ومعه ابنه فيصل، حيث استطاعوا حشد أهل الشام والحجاز، للوقوف بجانب الحلفاء في حربهم مع الأتراك، مقابل حصول البلاد العربية على استقلالها، فكان أن تم خروج العثمَّانيين من فلسطين عام 1917، ومن الشام بعد الهزيمة 1918، لكن روسيا الشيوعية أفشت سر الحلفاء عام 1917، عندما كشفت عن سرِّ اتفاقية سايكس-بيكو (Sykes–Picot Agreement)، وهي اتفاقية فرنسية-إنجليزية، تم توقيعها في أيار/مايو عام 1916، تقضي بتقسيم النفوذ في الشام والعراق، بين فرنسا وبريطانيا، اقترنت بما عرف بوعد بلفور، الذي قدَّمه وزير الخارجية البريطاني آنذاك آرثر بلفور (Arthur Balfour) إلى اليهود في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1917، بدعم إقامة دولتهم العنصرية في فلسطين، كما حاول الإنجليز والفرنسيون (تخدير) العرب بعد اكتشافهم لهذه الاتفاقيات، ريثمَّا تنتهي الحرب، وعند نهاية الحرب بدأت الكارثة تتوضح.

مؤتمر الصلح، مؤتمر فرساي عام 1919

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، جلس الحلفاء إلى طاولة الحوار، لاقتسام تركة العثمَّانيين، وحصاد زرع الحرب، ما عُرف بمؤتمر الصلح في فرساي (Versailles) الفرنسية الذي عُقد بداية عام 1919، وانتهى بمعاهدة فرساي في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو من العام نفسه، وكان الأمير فيصل ابن الشريف حسين ممثلاً عن العرب، فأرسل إلى المؤتمر مذكرة يشرح فيها حق العرب في تقرير مصيرهم، كذلك الحفاظ على وحدة سورية (متضمنةً سورية، ولبنان، وفلسطين، مع شرق نهر الأردن)، فجاء في مذكرة الأمير فيصل كما أوردها الدكتور حسان حلاق في كتابه (فلسطين في المؤتمرات الدولية والعربية):

"...أما فلسطين؛ فإنَّ غالبية السكان الساحقة من العرب واليهود يمتُّون بصلة نسب عرقية إلى العرب، وليس بين الشعبين فوارق في الخلق والمزايا، فإننا واليهود، مبدئياً، شعب واحد مهما يكن من الأمر، فإنَّ العرب لا يمكنهم تحمل مسؤولية الحفاظ على التوازن في حال حصول تصادم بين مختلف الشعوب والديانات في هذا الإقليم الذي كثيراً ما ورط دول العالم وأوقعها بمآزق صعبة".

وكان الاعتراض العربي واضحاً فيما يخص تقسيم سوريا، وإقامة الدولة اليهودية في فلسطين،؛ واضحاً في الشوارع، وفي التحركات السياسية كلِّها، فضلاً عن الرسائل الرسمية، لكن الحكومة الملكية في إنجلترا، كانت قد قررت مع الحلفاء مصير هذه المنطقة مسبقاً، وكل ما حاولت فعله في هذه الفترة، هو ترويض مشاعر العرب، وكسب الوقت ريثمَّا يتمكن اليهود من التأسيس لدولتهم، ومن ضمن محاولات المماطلة، كانت لجنة كينج-كراين.

جاء تقرير اللجنة مؤكداً على رفض العرب للمشروع الصهيوني

أرسلت الولايات المتحدة (انضمت إلى الحرب العالمية الأولى عام 1917) لجنة للوقوف على مطالب الشعوب العربية، سمَّيت لجنة كينج-كراين (King-Crane Commission) نسبة إلى أعضائها الاثنين، ووصلت إلى بلاد الشام في حزيران/يونيو عام 1919، فبقيت تجوب المدن السورية والفلسطينية حوالي الشهر، ثمَّ رفعت تقريرها إلى الرئيس ويلسن (Woodrow Wilson)، مؤكدةً إصرار الشعب الفلسطيني والعربي على حقه في أرضه، كما جاء في التقرير أنَّ "72% من العرائض المرفوعة من المنطقة السورية، تؤكد العداء مع الحركة الصهيونية، وترفض رفضاً قاطعاً إمكانية إقامة وطنٍ قومي لليهود على أرض فلسطين".

كما أشار التقرير أنَّ جميع الموظفين الإنجليز في المنطقة السورية أكدوا أنَّ الوطن القومي الذي تحلم به الصهيونية لا يمكن إقامته إلا بقوة السلاح، لذلك يجب أن تُطرح الفكرة جانباً (المذكرة كما ذكرها حسن الحكيم في كتابه صفحات من تاريخ سوريا الحديث)، كما أوصت اللجنة بوضع قيود على هجرة اليهود، خاصة أن عددهم لم يتجاوز الخمسين ألف، مقابل 650 ألف عربي في فلسطين.

أثبت الإنجليز وفاءهم بوعودهم لليهود

استمرت الجهود العربية الرامية إلى الاستقلال، من خلال عدة رسائل إلى حكومات الحلفاء، فضلاً عن المؤتمرات السورية، والفلسطينية، التي أكدت جميعها على وحدة المنطقة، ورفض المشروع الصهيوني، لكن المجتمع الدولي القديم، أصمَّ أذنيه عن كل هذه النداءات، فكان المشروع الصهيوني يسير إلى هدفه، ولم يكن للعرب ما يكفي من الحنكة والتنظيم لتدارك المصائب الكبرى، خاصة بعد الحكم العثمَّاني لأربعة قرون، لكن الأمر لم يتوقف على النداءات والاستغاثة، حيث بدأت التوترات تزداد بين العرب واليهود في فلسطين مع مطلع عام 1920، من بينها أحداث يافا في أيار/مايو من العام نفسه، التي أسفرت عن مقتل عشرات العرب واليهود، كما أنَّ اليهود حاولوا في الفترة اللاحقة استمالة العرب إلى صفهم، حيث يذكر الدكتور اميل لوقا في كتابه (جذور القضية الفلسطينية) عن تعامل اليهود مع حوادث يافا:

"وفي هذه المرة أيضاً، اتهمت القيادة الصهيونية قوات الأمن الإنجليزية بالأعمال، وروجت أسطورة (الأفندية العرب) الذين يحرضون المعدمين العرب على اليهود، بسبب فقدان امتيازاتهم، وتظاهرت أن القضية لا تعدو قضية (الحمل الصهيوني الوديع) الذي يريد أن يبني البلاد، و(الذئب العربي الكاسر) الذي يصر على بقاء البلاد مستنقعات".

 لكن ذلك لم ينجح، وحاول الإنجليز أيضاً تطمين العرب، والوفود الفلسطينية والسورية، لكن الأخيرة كانت تذرع الدول جيئةً وذهاباً للمطالبة بالحقوق المبنية على وعود الحلفاء قبل الحرب، إلا أن هذه الجهود كلَّها، اندثرت مع إعلان الانتداب البريطاني رسمياً ًعلى فلسطين عام 1922، فكان الإنجليز أوفياء لليهود بوعدهم.

مما جاء في صك الانتداب

في السابع والعشرين من تموز/ يوليو عام 1922، قررت عصبة الأمم وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، فأصدرت صكاً مؤلفاً من سبع وعشرين مادة، أكدت على التزام بريطانيا؛ "بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، على أن يُفهم جلياً ألا يؤدي ذلك إلى إلحاق الأذى بالحقوق الدينية، والزمنية، التي تتمتع بها الجماعات غير اليهودية الموجودة الآن في فلسطين"؛ بذلك جرَّدت بريطانيا العرب من حقوقهم في فلسطين، واعتبرت أنَّهم ضيوف على دولة الاحتلال العنصرية، كما بدأ اليهود بالتجهيز لمرحلة دامية مقبلة، ستكون أكثر مراحل التاريخ العربي ظلاماً.

اشتعلت ثورة البراق نتيجة اعتداءات اليهود على حائط البراق

ساد الهدوء النسبي بين العرب واليهود بين عامي 1925 و1928، يعود ذلك بشكل أساسي إلى الأزمة الاقتصادية في أوروبا، التي خففت من الهجرة اليهودية إلى فلسطين، لكن نشاط الهجرة عاد إلى كثافته مع العام 1928 مع الكساد العظيم، معيداً إلى الأذهان المخاوف من إقامة الدولة اليهودية، كما بدأ الصراع الديني يتجلى أكثر فأكثر، إلى أن اندلعت اشتباكاتٌ داميةٌ بين العرب واليهود، على خلفية ادِّعاءات اليهود واعتداءاتهم على حائط البراق الشريف، الذي أسموه (حائط المبكى)، وزعموا أنه من بقايا هيكل سليمان المقدس، فأدت الاشتباكات إلى خسائر بشرية في الطرفين، لكن الحكومة الانتدابية انحازت إلى اليهود، وألقت القبض على الشباب الفلسطينيين، لتعدم ثلاثة منهم في العام التالي، هم محمد خليل جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير.

لم تكن قصة حائط البراق الشريف هي السبب الوحيد، لكن ازدياد ضغط الهجرة اليهودية باتجاه فلسطين، إضافة إلى توسع ملكيات اليهود في الأراضي والبيوت، أدى إلى احتقان في الشارع العربي الفلسطيني، فنتجت عنه ثورة البراق المذكورة.

كان العالم يحترق في منتصف الثلاثينيات من القرن العشرين

كان لوصول هتلر (Adolf Hitler) إلى حكم ألمانيا، مُفصحاً عن المشاريع النازية، إضافة إلى اندلاع الحرب الأهلية الإسبانية، واحتلال أثيوبيا من قبل إيطاليا الفاشية، فضلاً عن ظهور بذور الحرب العالمية الثانية، كل هذه الأحداث كانت بين عامي 1933 و1936، كما شهدت سورية (القطر السوري) احتجاجات كبيرة، أفضت إلى الاعتراف باستقلالها المؤجل، أما فلسطين فقد كانت ترزح تحت ضغط الهجرة اليهودية، وانتقال الملكيات الاقطاعية إلى اليهود، ما أدى إلى تشريد الفلاحين الفلسطينيين (المرابعين)، وطردهم من أراضيهم، فازدادت البطالة نتيجة كلِّ هذا التوتر، كما هربت التنظيمات العمالية والاشتراكية عن الساحة.

لكن السبب المباشر أنَّ الشيخ عز الدين القسَّام (من موالد جبلة السورية عام 1838)، كان قد بدأ يشنُّ عمليات مسلحة ضد الإنجليز، حتى استطاعوا الوصول إليه في مخبئه، في جنين، فدارت بينهم اشتباكات عنيفة، انتهت باستشهاد القسَّام، وبعض من رفاقه، حيث يُعتبر قتل القسَّام أحد أهم أسباب اندلاع  ثورة عام 1936، حتى أنَّها سميت ثورة القسام، أو الثورة الفلسطينية الكبرى.

أبرز أحداث الثورة الفلسطينية الكبرى

تولى قيادة الثورة الشيخ فرحان السعدي، خلفاً للشيخ عز الدين القسَّام، وبدأت الثورة الفلسطينية الكبرى في الخامس عشر من نيسان/أبريل عام 1936، باغتيال اثنين من اليهود على طريق نابلس-طولكرم، ثمَّ اندلعت الاشتباكات في القرى والمدن الفلسطينية، مع اليهود والإنجليز، مترافقة مع إضرابات عامة، وتوقف الشعب عن دفع الضرائب، حيث استمرت هذه الثورة حتى الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر من العام نفسه، لكنه كان توقفاً مؤقتاً، بانتظار نتائج المفاوضات التي تخوضها اللجنة العربية العليا بقيادة مفتي القدس الشيخ أمين الحسيني.

تم استئناف الثورة في أيلول/سبتمبر عام 1937، بعد فشل كل المساعي السياسية لإيقاف الهجرة اليهودية، والحديث عن قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين، عربية، ويهودية، كما أن عودة الثورة جاءت بعكس توقعات الإنجليز واليهود، حيث عادت بقوة، وامتدت إلى مناطق أوسع، كما أصبح لها مراكز خارج حدود فلسطين للتنظيم والمساعدة، حتى أَّن الإنجليز بدأوا بملاحقة كل من يلبس عقال وكوفية (لباس الفلاح الفلسطيني)، بسبب الاغتيالات التي نفذها القسَّاميون داخل المدن، إلا أنَّ مجلس الثورة، أصدر توجيهاً للشعب الفلسطيني، بأن يرتدي الجميع العقال والكوفية، بدلاً عن طرابيش المدن، وهذا ما كان، كما أنَّ الثورة بقيت مستمرة حتى بداية الحرب العالمية الثانية عام 1939، حيث استشعر البريطانيون قدوم الحرب، وأرادوا تصفية التمرد في فلسطين، فقاموا بعملية تمشيط واسعة للقرى والمدن الفلسطينية، وأعادوا احتلال أغلب الأماكن المحررة، كما فقدت الثورة معظم قادتها، لتتوقف في أيلول/سبتمبر عام 1939.

قامت الدولة العبرية على عصابات صهيونية إجرامية

أسس الصهاينة في فلسطين مجموعة من العصابات المسلَّحة، التي اتبعت تنظيم عصابات الشوارع، وكان السلاح يأتي إليهم بعلم الإنجليز، أو بدون علمهم، ليلاً ونهاراً، وقد نفذت هذه العصابات جرائماً شنيعة، أكثرها قسوة في حرب عام 1948.

عصابة هاجاناه (Haganah)

تعتبر من أولى العصابات الصهيونية المسلحة، كما تعتبر الذارع العسكرية للمنظمة الصهيونية العالمية، تمَّ تأسيسها عام 1921، كبديل عن منظمةٍ سابقة لا يتجاوز أفرادها بضع عشرات، حيث كان الهدف من المنظمة الأولى (هاشومير) هو الحماية بأدنى الحدود، لكن للهاجاناه أهداف عسكرية بحتة، كما تُعتبر الهاجاناه النواة الأساسية لجيش العدو الإسرائيلي الذي تشكل بعد النكبة، ومن أبرز رموزها البولندي اريل شارون مدير عملية اجتياح لبنان لاحقاً عام 1982، والأوكراني اسحق رابين مهندس السلام مع الأردن والسلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي.

عصابة إرجون

كانت الهاجاناه في سياستها العامة  أكثر اتفاقاً مع البريطانيين من بعض قادتها الراديكاليين، فقرر ابرهام تيهومي تشكيل فصيل عسكري مستقل عن الهاجاناه عام 1931، سماه إرجون (Irgun)، أو (المنظمة القومية العسكرية في إسرائيل)، فكانت عصابة إرجون أكثر جنوناً من الهاجاناه، خاصةً بعد أن تولى الصهيوني البيلاروسي مناحيم بيغين رئاستها عام 1942 (صانع السلام مع مصر في السبعينات)، كما أقدمت على العديد من العمليات العسكرية في مواجهة الإنجليز، وضربت لهم مصالحهم في فلسطين، فكانت أبرز عمليات إرجون تفجير فندق النبّي داود في القدس في الثاني والعشرين من تموز/ يوليو عام 1946، الذي أدى إلى سقوط أكثر من تسعين قتيلاً، معظمهم من المدنيين، بينهم خمسة عشر يهودياً، وستة عشر بريطانياً، والباقي من الفلسطينيين.

تلاها تفجير السفارة البريطانية في روما، في التاسع والعشرين من كانون الأول/ديسمبر عام 1947، لتكون ارجون بذلك، العَصَبَ الإسرائيلي الذي عجل في خروج الإنجليز من فلسطين، كما كان لأضرار الحرب العالمية الثانية دور كبير في التخلي عن المنطقة كلِّها، لصالح العصابات الصهيونية، التي أقامت دولتها العنصرية فور خروج الإنجليز.

عصابة شترن

أسسها ابرهام شترن عام 1940، بانشقاقه عن الهاجاناه أيضاَ، وسمَّاها المحاربون لأجل حرية اسرائيل، لكنها عرفت باسمه (شترن)، حيث اشتركت هذه العصابة مع إرجون بسياستها، التي تقضي بإخراج الإنجليز من فلسطين بالقوة، ربما خوفاً من عدم وفاء الإنجليز بوعودهم، قررت هذه العصابات استغلال فترة الحرب العالمية الثانية، والانهيارات العسكرية في أوروبا، لتنفذ سلسلة من العمليات ضد الإنجليز والعرب، ومن أعضائها البارزين البولندي اسحق شامير، الذي كان رئيس وزراء العدو عندما قصف الجيش العراقي الأراضي المحتلة، فترة حرب الخليج الثانية.

تفوقت العصابات الصهيونية على الجيوش العربية الفتية

لم يعد الإنجليز قادرين على الاستمرار باحتلال فلسطين، فلم تعد المملكة المتحدة كما كانت، بعد أن سقطت أغلب درر التاج (المستعمرات الإنجليزية)، وأجهزت الحرب العالمية الثانية على القدرة العسكرية الإنجليزية، إضافة إلى ضغط العصابات الصهيونية في الداخل الفلسطيني، فلجأت انجلترا إلى الأمم المتحدة، التي تبنت في التاسع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1947، قراراً يقضي بتقسم فلسطين إلى دولتين، عربية ويهودية، على أن تبقى القدس تحت الحماية الدولية.

لكن العرب رفضوا القرار، في قمة الجامعة العربية المنعقدة في بلودان السورية في الثامن من شهر حزيران عام 1946، وأعلنت الجامعة عن تشكيل جيش الإنقاذ العربي، إلا أنَّ الصهاينة قبلوا الحل، واستمروا بتنظيم العمليات الإرهابية التي استهدفت العرب، والبريطانيين، حتى أعلنت بريطانيا عن انسحابها من فلسطين في الرابع عشر من أيار عام 1948، ليتم الإعلان مباشرة عن قيام دولة (إسرائيل) بعد ساعات قليلة في الخامس عشر من الشهر نفسه، ويعتبر هذا اليوم تاريخ ذكرى النكبة الفلسطينية، وتاريخ بداية الحرب العربية مع (إسرائيل) الدولة، وليس العصابة.

الهزيمة الكبرى

تكوَّن جيش الإنقاذ العربي من سبعة أفواج بقيادة فوزي القاوقجي، انطلقت من عدة محاور على طول الحدود الفلسطينية مع دول الجوار، وبدأت معارك التحرير في ذات يوم إعلان قيام الاحتلال الاسرائيلي، حيث كانت المعارك تسير كما هو مأمول، إلى أنَ فرض مجلس الأمن الهدنة الأولى لمدة أربعة أسابيع، استمرت من يوم الحادي عشر من حزيران/يونيو، إلى العاشر من تموز/يوليو، ثمَّ استأنف العرب قتالهم مع العصابات الصهيونية، لكن بشروط مختلفة، حيث استغلت العصابات الصهيونية فترة الهدنة، لتعزز من قدراتها المالية والعسكرية، كما تم تزويد الجيش العربي بأسلحة فاسدة، وذخيرة غير صالحة للاستعمال العسكري.

بذلك تمكنت العصابات من تحقيق تقدم كبير منذ اليوم الأول لاستئناف القتال، وكانت المفاوضات قد بدأت في جزيرة رودوس مع نهاية ذلك العام، وانتهت بتوقيع اتفاقيات وقف إطلاق النار، بين الدولة الحديثة والدول العربية المشاركة في القتال، وكان ذلك بين شباط/فبراير، وتموز/يوليو عام 1949، ليطوي التاريخ صفحة مظلمة، ويفتح أخرى أكثر ظلاماً.

ختاماً... كانت مرحلة عصيبة مرَّ فيها العالم العربي كله، وفلسطين خصوصاً، ما تزال الدول العربية تعاني من منعكساتها على الواقع السياسي والاجتماعي للعرب، حيث يعتبر بعض الباحثين، أنَّ وجود دولة الاحتلال الإسرائيلي، هو المسؤول عن وجود الأنظمة الشمولية والفردية، فضلاً عن معاناة أهلنا في فلسطين المحتلة، جراء الاعتداءات المستمرة على حقوقهم، ومقدساتهم، وأرواحهم، ولم تتوقف معاناة الشعب الفلسطيني عند هذا الحد، فقد تلى ذلك نكسة عام 1967 وما تلاه من حروب ومذابح ارتكبتها اسرائيل بحق الشعب الفلسطيني.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر