المخرج السوري الراحل مصطفى العقاد

كرس فنه لتوضيح حقيقة الإسلام في الغرب وقُتل على يد التكفيرين في الشرق
تاريخ النشر: 19/10/2016
آخر تحديث: 03/10/2017
صورة للمخرج مصطفى العقاد رحمه الله

كان موضوعاً شخصياً بالنسبة إليَّ، شعرت بواجبي كمسلم عاش في الغرب بأن أخبر بالحقيقة عن الإسلام. أنه دين لديه 700 مليون تابع في العالم، والقليل فقط ما هو معروف عنه، مما فاجأني!" - مصطفى العقاد.

هناك فروق شاسعة بين السينما العربية والسينما الأمريكية، حيث لا يمكن لأحد تجاهل التطور الذي عرفته صناعة السينما في هوليوود، حتى سيطرت على السينما العالمية دون منافسة تذكر، هذا ما جعل وجود مخرجين وممثلين عرب ضمن صناع السينما الهوليوودية ليس بالأمر السهل، لكن هناك أشخاص متميزون دائماً، يستطيعون إثبات أنفسهم بين الأكثر تميزاً، من بينهم المخرج السوري الراحل مصطفى العقاد.

1

نشأة مصطفى العقاد

ولد مصطفى العقاد في الأول من تموز/يوليو عام 1935، في مدينة حلب السورية، لعائلة حلبية محافظة، ومثقفة، كان الوالد قاسياً في تربية أبنائه، خاصة بالأمور الدراسية والدينية، حيث كانت الأسرة تستيقظ عند الساعة الخامسة صباحاً، ليتأكد الأب من واجبات أطفاله المدرسية، كما كان يطمح لرؤية ابنه المتفوق مصطفى؛ طبيباً أو مهندساً في المستقبل.

كان مصطفى متفوقاً في دراسته، وتنقل بين عدة مدارس، من بينها مدرسة فرير ماريست (Frere Marist)، كما بدأ تعلقه بالسينما عن طريق جاره جان كليديس، الذي كان يشغل جهاز العرض السينمائي في سينما أوبرا في حلب، حيث كان العقاد يرافقه، ويشاهد الفيلم من حجرة التشغيل، إضافة إلى اطلاعه على طريقة تشغيل الأشرطة، وقص المقاطع المخلّة منها.

استطاع العقاد الحصول على جهاز تشغيل سينما منزلي، حيث كان يدعو أصدقاءه لمشاهدة أفلام هيتشكوك (Sir Alfred Joseph Hitchcock)، كما بدأ حلمه بدراسة الإخراج في هوليوود، مذ كان في الرابعة عشرة من العمر، لكن الوالد كان معارضاً في البداية، كما اعتبر المحيطون أن طموح العقاد، طموح مجنون وغير ممكن، إلا أنه تمسك بحلمه، حتى تمكن من الحصول على ما يريد.

2

رحلته الدراسية: لو لم أكن عربياً لكان الأمر أكثر سهولة

وجد العقاد صعوبة في اقناع والده بهواجسه السينمائية، حيث عمل في بنك لمدة عام واحد، كما أخرج مسرحية بعنوان (شعلة من الصحراء) جابت عدداً من المسارح السورية، لكنه كان مصمماً على السفر، فما كان من والده إلا أن وافق في النهاية، فانطلق الشاب مصطفى العقاد مع والده إلى بيروت عام 1954، ليركب منها طائرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فأعطاه والده مائتي دولار أمريكي، هي كل ما حمله معه إلى أمريكا، بالإضافة لمصحف صغير.

ركب العقاد طائرته من بيروت، ليصل إلى نيويورك (New York City)، ومنها استقل الحافلة التي ستقله إلى كاليفورنيا (California)، في رحلة تستغرق أسبوعاً كاملاً، حتى وصل إلى جامعة كاليفورنيا/لوس أنجلس (University of California, Los Angeles UCLA)، ليدرس فيها الإخراج والإنتاج السينمائي (Film direction and production)، إضافة إلى الفنون المسرحية، كما يتحدث العقاد عن يومه الأول في الجامعة، حيث انكسرت يد حقيبته، فاضطر إلى حملها على كتفه والتجوال في الجامعة التي يدخلها للمرة الأولى.

بدأ العقاد دراسته، وبدأ معها عمله في عدة وظائف شاقة، من بينها الخدمة في تنظيف البيوت، حيث أرسل رسالة إلى والدته في حلب، يقول فيها: "اعتني بالخادمة، فانا الآن أقوم بذات الوظيفة"، كان العقاد متواضعاً، لم يكن يفكر بأن هناك عمل غير مناسب له، بل كان ينظر إلى كل الأعمال التي قام بها، كجسر ليصل إلى ما يريده.

كان للعقاد شعبية كبيرة في الجامعة، حيث كان رئيس اتحاد الطلبة الأجانب، كما أنهى البكالوريوس بتفوق، ثم حصل على درجة الماجستير من جامعة جنوب كاليفورينا (University of Southern California USC)، وبقي اسمه بين الطلبة المتميزين في الجامعة، كما حصل على جائزة عن فيلم قدمه عن (قصر الحمراء) في الأندلس.

عمل العقاد أثناء دراسته كمراسل لمجلة (الدنيا) في دمشق، إضافة لعمله مع محطة (CBS) الأمريكية، ضمن برنامج (As others see us)، حيث قام بإعداد اللقاءات مع الطلاب الأجانب في أمريكا، كما كان العقاد مصمماً دائماً أن يعرّف بنفسه على أنه عربي سوري، ومسلم، ما جعل المحيطين به يحترمون اعتزازه بأصله، من جهة أخرى؛ كان العقاد مؤمناً بتأثير الإعلام المرئي في المستقبل، من هنا تبلورت رؤيته بنقل الحضارة العربية والإسلامية إلى الغرب، عن طريق السينما.

3

"لم أتمكن من إقناع استديوهات هوليود بتصوير فيلم الرسالة"

حاول العقاد إقناع المنتجين في هوليود بإنتاج فيلم عن بداية الإسلام، وحياة الرسول محمد (ص)، لكن المشكلة التي واجهته، كانت رغبة المنتجين بإظهار وجه الرسول، ووجوه الصحابة، هذا ما يعتبر غير جائز لدى المسلمين، فانتقل العقاد إلى بيروت، وفتح مكتباً له فيها، في شارع الحمرا، حيث بدأ من هناك اتصالاته، وتحضيراته لتصوير فيلم الرسالة، بنسختيه العربية والإنجليزية، حيث تم إطلاق نسخته العربية عام 1976، والإنجليزية عام 1977.

سيناريو فلم الرسالة

قام عدد من كبار الكتاب بالعمل على كتابة سناريو فيلم الرسالة، هم الايرلندي هاري كريج Harry Graig، الذي كتب سيناريو فيلم (لورانس العرب)، إلى جانب عبد الحميد جودة السحار، وتوفيق الحكيم، وأحمد شبلي، إضافة إلى عبد الرحمن الشرقاوي، ومحمد علي ماهر، كما تم إعداد السيناريو على نسختين، بالعربية والإنجليزية.

تمويل فلم الرسالة

استطاع العقاد الحصول على تمويل لفيلمه (الرسالة) من ثلاثة دول عربية، هي المغرب، الكويت، وليبيا، بالتساوي، لكن الكويت سحبت تمويلها للفيلم بعد أن رفضته السعودية.

الحصول على الموافقات

حاول العقاد الحصول على موافقات المراجع الدينية في العالم العربي على سيناريو الفيلم، الذي شارك في كتابته اثنين من علماء الأزهر الشريف، منهم فضيلة الشيخ عبد الله العلايلي، فحمل العقاد السيناريو إلى المملكة العربية السعودية، طامعاً بمباركة النص من قبل رابطة العالم الإسلامي، فدار الحوار التالي بينه وبين مجموعة من مشايخ الرابطة:

الرابطة: من يريد أن يتعرف على الإسلام؛ فليقرأ القرآن الكريم.

العقاد: هناك في الغرب من لا يجيد قراءة القرآن، كما أن الصورة ستساعد في إيصال الفكرة أكثر.

الرابطة: الصورة حرام.

العقاد: أنا في أميركا علموني أن من اخترع نظرية التصوير هو الحسن ابن الهيثم الأندلسي.

الرابطة: ستستعمل الموسيقى؟

العقاد: طبعاً!

الرابطة: البيت الذي تدخله الموسيقى تهرب منه الملائكة!!

العقاد: يا جماعة؛ الأمريكان وصلوا إلى القمر، ونحن نقول الصورة حرام، والموسيقى حرام.

الرابطة: يضحكون عليكم، لم يصل أحد إلى القمر.

العقاد: أعطني السيناريو لو سمحت، المسافة بيني وببينكم كالمسافة من هنا إلى القمر.

على إثر رفض السعودية للسيناريو، انسحبت الكويت من تمويل الفيلم، لكن الملك حسن الثاني، ملك المغرب آن ذاك، بقي داعماً للفيلم، كذلك الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي.

موسيقى الفلم

قام الموسيقار الفرنسي موريس جار (Maurice Jarre)، بإعداد الموسيقى التصويرية للفيلم، وهو الذي قام بتأليف موسيقى فيلم لورانس العرب، وعمر الختار، إضافة إلى فيلم دكتور جيفاغو للممثل الراحل عمر الشريف، كما أن له نجمة في شارع المشاهير في هوليود.

ديكورات الفلم

قام فنيو الديكور، بمحاكاة مكة القديمة، عن طريق إعادة بناء مجسمات للكعبة، والساحة المحيطة بها، حيث تم بناء موقع التصوير في المغرب، وقد استغرق حوالي أربعة أشهر من العمل.

أبرز الممثلين في النسخة العربية

شارك في الفيلم العديد من الممثلين من سوريا وليبيا والمغرب، أبرزهم الممثلة السورية منى واصف في دور هند زوجة أبي سفيان، والممثل المصري عبد الله غيث في دور عم النبي حمزة بن عبد المطلب، إضافة إلى الممثل والمخرج المسرحي المغربي الطيب بن محمد سعيد الصديقي في دور الوليد، والممثل الليبي علي أحمد سالم في دور بلال بن رباح، إلى جانب ثلة من الممثلين الآخرين.

أبرز الممثلين في النسخة الإنجليزية

شارك في الفيلم نخبة من ألمع ممثلي هوليوود، أبرزهم أنطوني كوين (Anthony Quinn) في دور حمزة بن عبد المطلب، إلى جانب ايرين باباس (Irene Papas)، في دور هند زوجة أبي سفيان، ومارتن بنسن (Martin Benson) في دور أبي جهل، كما لعب دور كسرى في النسخة العربية.

مساهمون آخرون

رفع الآذان الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، كما تم تسجيل الموسيقى من قبل الفيلهارمونيك الملكية البريطانية (The London Philharmonic Orchestra).

أصداء الفيلم

أحدث فيلم الرسالة ضجة كبيرة على مستوى العالم، لكن أبرز الأحداث التي ارتبطت به، قيام المتطرفين الإسلاميين في أميركا، بتنظيم احتجاجات مطالبة بإلغاء عرض الفيلم، ترافقت مع قيامهم بأعمال تخريبية في الشوارع، كما قامت جماعة منهم بخطف عدة رهائن داخل بيوتهم، لكن بعد عرض الفيلم بفترة، هدأت ثورتهم، وأيد معظمهم ما جاء بالفيلم، كما تمت دبلجته إلى أكثر من ثلاثين لغة حول العالم، إلا أن الفيلم كان ممنوعاً في بعض الدول العربية، حيث تم تناقله عن طريق الأشرطة المسجلة.

4

"نحن لن نستسلم، نحن ننتصر أو نموت"

بدأ تصوير فيلم أسد الصحراء (Lion of the Desert) عام 1979، باللغة الإنجليزية، في مواقع مختلفة من ليبيا، أغلبها كانت مواقع الأحداث الحقيقية لقصة حياة المجاهد الليبي عمر المختار، الذي قارع الاحتلال الإيطالي لبلاده حتى إعدامه شنقاً عام 1931، كما تم الإعلان عن العرض الأول للفيلم في العام 1981، إضافة إلى دبلجته إلى اللغة العربية.

قام بدور المجاهد عمر المختار، الممثل أنطوني كوين، إلى جانب ايرين باباس في دور مبروكة، الفيلم من كتابة هاري كريج، وإخراج مصطفى العقاد، وقام بترجمة الحوار إلى العربية، الروائي الفلسطيني جبرا إبراهيم جبرا، كما تميز المشهد الأخير من الفيلم برسالة أراد العقاد إيصالها، حيث يتقدم طفل صغير من منصة إعدام المختار بعد تنفيذ الحكم، وبأخذ نظاراته المرمية على خشبة المنصة، كناية عن تناقل شعلة المقاومة بين الأجيال، كما يقول عمر المختار في الفيلم: "أما أنا؛ فحياتي أطول من حياة شانقي".

أشهر أعماله الأخرى

قام العقاد بإنتاج سلسلة أفلام الرعب الأمريكية هالووين (Halloween) التي بدأت عام 1979، وانتهت بجزئها التاسع عام 2002، حيث تناوب عليها عدد من الممثلين والمخرجين، كما حققت إيرادات عالية في شباك التذاكر، في الولايات المتحدة الأمريكية، إضافة إلى فيلم موعد مع الخوف، الذي شارك في إنتاجه أيضاً، والفيلم من إخراج رمزي توماس، وآلان سميث (Alan Smithee)، حيث كان يعتمد العقاد على جني الأرباح من أفلامه هذه، ليقوم فيما بعد بتمويل مشاريعه الخاصة، أما الأعمال التي كان يخطط لإنتاجها وإخراجها، فهي أكثر من ذلك بكثير، كما واجه العقاد انتقادات من السينمائيين العرب، بسبب توجهه نحو إنتاج أفلام الرعب.

5

"كان العقاد رجلاً طيباً ومحبوباً"

ينتمي العقاد إلى أسرة سورية عريقة، حيث تبوء شقيقه زهير العقاد منصب وزير الثقافة السوري في الستينيات، كما مثل سوريا في عدد من سفارات العالم، كما كان لديه شقيق محترف بكرة القدم، إضافة إلى شقيقته الدكتورة ليلى العقاد، أستاذة الإعلام في جامعة دمشق، من جهة ثانية حصل العقاد على الجنسية الأمريكية، وتزوج من باتريسيا (Patricia)، التي أنجب منها أبناءه مالك وطارق، إضافة إلى ابنته ريما التي توفيت معه نتيجة الانفجار في فندق (حياة عمان)، ثم تزوج من سهى بعد انفصاله عن زوجته الأولى، وانجب منها ابنه زيد.

لم يكن العقاد مخرجاً نمطياً في تعامله مع الممثلين، فلم يسمعه أحد يصرخ، أو يتشاجر مع أحد من طاقم العمل، كما جمعته علاقة متميزة ببطل أفلامه أنطوني كوين، حيث يقول العقاد إنه "لولا كوين لما شاهد الغربيون فيلم الرسالة"، كما جمعته علاقات طيبة مع كثير من الفنانين والمخرجين حول العالم.

6

"قتله حزنه على ابنته أكثر مما قتلته جراحه"

كان مصطفى العقاد مقيماً في فندق غراند حياة عمان، أثناء زيارة المملكة الأردنية الهاشمية، لحضور حفل زفاف في العقبة، وفي يوم الأربعاء التاسع من تشرين الثاني/نوفمبر عام 2005، قام ثلاثة من الإرهابيين المتشددين بتفجير أنفسهم، في ثلاثة فنادق مختلفة في العاصمة الأردنية، من بينها فندق حياة عمان، كما فشلت الإرهابية الرابعة (ساجدة) بتفجير نفسها، وتم إلقاء القبض عليها.

أما العقاد؛ فقد كان في بهو الفندق يستقبل ابنته ريما، عندما أقدم الانتحاري على تفجير نفسه، مما أدى إلى وفاة ريما العقاد فوراً، ونُقل مصطفى العقاد إلى مستشفى الشميساني في عمان، ليتم علاجه من إصابات خطيرة في الرقبة والصدر، إلا أن العقاد أصيب بجلطة قلبية حادة، إثر سماعه خبر وفاة ابنته في التفجير، ليفارق الحياة في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر، بعد يومين من الانفجار، متأثراً بجراحه، وبموت ابنته، حيث تم نقل جثته إلى مسقط رأسه، كما أقيم حفل تأبيني له في دمشق بمشاركة كبار الشخصيات الرسمية والفنية، في حين أقامت عائلته دعوى قضائية ضد الفندق في وقت لاحق، موضوعها عدم توفير الاحتياطات الأمنية اللازمة، ما أدى إلى تمكن الانتحاري من التسلل إلى بهو الفندق، وتفجير نفسه.

من الجدير بالذكر.. أن حصيلة تلك التفجيرات الإرهابية التي تبناها تنظيم القاعدة في العراق، بلغت 57 قتيلاً، وعشرات الجرحى، كما تم اعتقال الإرهابية ساجدة (أم عميرة) التي لم تنجح في تفجير نفسها، وحكم عليها بالإعدام، إلا أن السلطات الأردنية لم تنفذ الحكم حتى عام 2015، لتنفذه بعد إحراق الطيار الأردني معاذ الكساسبة من قبل تنظيم داعش الإرهابي في سوريا.

أخيراً... كان للعقاد طموحات سينمائية كبيرة، حيث كانت السينما تنتظر فيلماً عن صلاح الدين الأيوبي، كذلك فيلماً آخراً عن الأندلس، لكن الموت كان أسرع من العقاد، حيث وافته المنية قبل أن يتمكن من تحقيق حلمه كاملاً.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر