قصائد الشّاعر الصوفي عمر بن الفارض

سلطان العاشقين، حياته، شعره، وأجمل قصائده في الحب الإلهي
تاريخ النشر: 01/12/2016
آخر تحديث: 07/11/2017
شعر عمر بن الفارض

لا يمكن الحديث عن الصوفية في الإسلام، دون ذكر عمر بن الفارض، سلطان العاشقين، الذي ذاب في الحب الإلهي، فأبدع في صياغة قصائده، حيث ما تزال حتى اليوم، من أجمل ما قيل في الشعر العربي.

انتهج شعراء الصوفية منهجاً لغوياً، وفلسفياً خاصاً بهم، فأصبحت هويتهم الشعرية، والفلسفية، متميزة عن غيرها، واضحة وضوح الشمس.

حيث تبدأ القصيدة عندهم بالعشق، وتنتهي به، حاملة في طياتها، أسمى معاني الحب الإلهي، فكيف نتحدث عن الصوفية، ولا نتحدث عن سلطان العاشقين؟ شرف الدين عمر بن الفارض.

1

من هو ابن الفارض؟

هو عمر بن أبي الحسن بن المرشد، المعروف أيضاً بشرف الدين عمر بن الفارض، ولد في مصر سنة 576هـ/ 1181م، أبوه من مدينة حماة السورية، جاء إلى مصر، وعمل فيها قاضياً شرعياً.

وكان يسمى الفارض، حيث كانت مهمته أن يفرض على الرجل حقوق زوجته، فسمي ابنه، ابن الفارض.

قرر عمر بن الفارض، أن ينتهج الزهد في صباه، فكان يخلو إلى نفسه، في جبل المقطم في مصر، كما كان يتبع شيخاً اسمه البقار، فأخبره شيخه أنَّ عليه أنْ يرحل عن مصر إلى الحجاز، حتى يفتح الله بصيرته.

فرحل عمر إلى مكة، حيث اعتزل فيها عدة أعوام، حوالي خمس عشرة سنة، قضاها جوالاً في مكة.

عاد ابن الفارض إلى مصر، وقد نظم معظم قصائد الغزل، إضافة إلى قصائد العشق الإلهي في مكة المكرمة، فقضى بقية حياته في مصر، حيث كان له تابعين فها، يستمعون إلى أشعاره، ويحفظونها.

إلى أن توفي سنة 632هـ/1235م، ودُفن في جبل المقطم، حيث أُقيم فوق قبره مسجدٌ حمل اسمه، كما جُمعت أبياته في ديوان حمل اسمه أيضاً، جمعه حفيده لابنته.

ويقول حفيده في وصف هيئته: (كان الشيخ، رضي اللّه عنه، معتدل القامة، وجهه جميلٌ، حسنٌ، مشرَّبٌ بحمرة ظاهرة، وإذا استمع، وتواجد، وغلب عليه الحال، يزداد وجهه جمالاً، ونوراً، ويتحدَّر العرق من سائر جسده.

حتّى يسيل تحت قدميه على الأرض، ولم أرى في العرب، ولا في العجم مثل حُسن شكله، وكان عليه نور، وخفر، وجلالة، وهيبة...).

2

نظم ابن الفارض شعره في العشق الدنيوي والعشق الإلهي

تميز شعر ابن الفارض، بنزعته الصوفية، وصنعته اللغوية الجميلة، حيث لجأ إلى الزخرفة اللغوية، حتى تبدو القصيدة أخاذةً في جمالها، لكنها تحتاج إلى تفكيرٍ، وتحليلٍ عميقين، لبيان معناها اللغوي، والمجازي.

كما كان لابن الفارض قدرة فريدة على تنظيم إيقاع القصيدة، حيث تجد الكلمات مكتوبة على لحنٍ بديع، ومنتقاة بإتقان شديد، يَطرب لها السامع، حتى وإن لم تُغنى، وهي صفة الموشحات الأندلسية، ومعظم القصائد الصوفية.

لابن الفارض قصائد غزلية، يعتقد الناس أنها من الصوفية، لكنها لا تصلح لتكون صوفية، لعدم جواز معناها في الحب الإلهي، واتصالها بالعشق الدنيوي، من جهة أخرى.

قيل أن ابن الفارض كان بكَّاءً، لا يكاد يفكر باحتجابه عن الله، حتى يدخل في الوجد، والبكاء، وقد انعكس ذلك في شعره.

أجمل قصائد ابن الفارض

التائية الكبرى:

من أكثر قصائده شهرة، وهي قصيدة طويلة جداً، نورد منها أبياتها الأولى، يقول فيها:

سقتني حميَّا الحبِّ راحةُ مقلتي وكأسي محيَّا منْ عنِ الحسن جلَّتِ

فأوهمْتُ صَحبي أنّ شُرْبَ شَرَابهِم بهِ سرُّ سرِّي  في انتشائي بنظرةِ

وبالحدقِ استغنيتُ عنْ قدحي ومن شمائلها لا منْ شموليَ نــــــشــــوتي

ففي حانِ سكري، حانَ شُكري لفتيةٍ بهمْ تمَّ لي كتمُ الهوى مع شهرتي

المفردات:

الحميا: الخمر، الشمائل: الصفات، الشَمْول: الخمر الباردة وسميت شَمْولاً لأنها تكتسب برودتها من رياح الشمال.

ومن قصائده الجميلة أيضاً قوله

زدّني بفرطِ الحبِّ فيكَ تحيُّرا وارحمْ حشى بلظى هواكَ تسعَّرا

وإذا سألتكَ أنْ أراكَ حقيقةً فاسمَحْ، ولا تجعلْ جوابي: لن تَرَى

إنّ الغَرامَ هوَ الحَياة، فَمُتْ بِهِ صَبّاً، فحقّكَ أن تَموتَ، وتُعذَرَا

قُل لِلّذِينَ تقدّمُوا قَبْلي، ومَن بَعْدي، ومَن أضحى لأشجاني يَرَى

عني خذوا، وبيَ اقْتدوا، وليَ اسْمعوا وتحدَّثوا بصبابتي بينَ الورى

ولقدْ خلوتُ معَ الحبيبِ وبيننا سِرٌّ أرَقّ مِنَ النّســـــيـــمِ، إذا ســـرَى

وأباحَ طرفي نظرةً أمَّلتهـــا فـــغــــدوتُ معروفاً وكـــــنـــــتُ منكَّــــــــــرا

فـــــدُهـــــــشـــــتُ بينَ جــمـــالهِ وجــــلالـــهِ وغــــدا لسانُ الحـالِ عني مخبرا

فأدِرْ لِحاظَكَ في مَحاسِن وَجْهِهِ تَلْقَى جَميعَ الحُسْنِ، فيهِ، مُصَوَّرا

لـــــــوْ أنّ كُـــلّ الحُسْنِ  يكمُلُ صُـــــورَةً ورآهُ كانَ مــــهلّــــــلاً ومــــكبَّــــرا

كما استخدمت قصائد ابن الفارض في جلسات الذكر، والحضرات الصوفية، على غرار قصيدته المشهورة، قلبي يحدثني أنكَ متلفي، التي أنشدها سيد النقشبندي، وياسين التهامي، وغيرهم.

لكن أغلب الباحثين في التراث الصوفي، يؤكدون أن هذه القصيدة لا تنتمي لقصائد العشق الإلهي، لما فيها من صفات دنيوية، وجُملٍ لا تجوز في الصوفية.

إنَّما هي قصيدة غزلية، حيث يقال أن ابن الفارض أحب زوجة أحد القضاة في مصر، ولها كتب هذا الغزل، نورد بعضاً من أبياتها:

قلْــــبــــــــي يُحدّثُني بــــأنّــــكَ مُتــلِــــفــــــي روحــــــي فــــداكَ عـــــرفـــــتَ أمْ لـــمْ تــعــرفِ

لم أقضِ حقَّ هَوَاكَ إنْ كُنتُ الذي لم أقضِ فيهِ أسى ومِثلي مَن يَــــــفي

ما لـــي سِـــــوى روحـــي، وبـــــــاذِلُ نـــــفسِــــهِ في حــــبِّ منْ يــــهــــواهُ ليسَ بمسرفِ

فَــــلَــــــئنْ رَضـــيـــتَ بـهــا، فقد أسْعَفْتَني يا خـــيـــــــبــــةَ المــــسعــــى إذا لمْ تسعـفِ

يــــا مــــانِـــعــــــي طــيـــبَ المَنامِ، ومـــانحـــي ثـــــوبَ السِّقامِ بـــــهِ ووجدي المــــتلَـــــفِ

واسألْ نُجومَ اللّيلِ: هــــــل زارَ الــــكَــــــرَى جَفني وكـيـفَ يزورُ مَن لم يَعــــرِفِ؟

لا غَــــروَ إنْ شَـــــحّــــتْ بِغُــــمـــضِ جُـــفــــونها عــــــيـــني وســـحَّـــتْ بالدُّموعِ الدُّرَّفِ

وبما جرى في موقفِ التَّوديعِ منْ ألمِ النّوى، شاهَدتُ هَولَ المَــــــــــوقِــــفِ

إن لــم يـــكُـــنْ وَصْــــلٌ لَـــدَيـــكَ فَــعِــدْ بهِ أمــــلي ومــــاطــــلْ إنْ وعدتَ ولا تـــــــفـــــي

يـــــــا  أهـــــلَ ودِّي أنــــتـــمُ  أمــــــلـــــي ومَــــــــنْ نـــــاداكُـــــمُ يـــــا أهْـــــلَ وُدّي قـــــد كُـــــــفــــــــي

عُــــــودوا لَمـــــا كُــــنــــتـــــمْ عــــليــــهِ مـــنَ الــــوَفا كــــرمـــاً فـــإنِّــــــي ذلــــــكَ الـــــخـــــلُّ الوفي

وحياتكمْ، وحـــيــــاتكمْ قســـــــماً وفي عُمري، بـــــــــــغيـــــــرِ حياتِكُمْ، لــــــم أحْـــــــــلِـــــفِ

لـــــــــوْ أنَّ روحــــــي في يــــــدي وهــــــبــــــــتها لمُــــبَــــشّـــــري بِـــــقَــــــدومـــِكُـــــمْ، ولـــم أنصفِ

لا تـــــحســــــبـــــــوني في الهوى متصنِّعاً كــــلـــــفي بـــكــــــمْ خلقٌ بغيرِ تــكــلُّـــــفِ

أخــــــفــــيـــــــــتُ حــــبَّـــــكـــمُ فأخـــفــــاني أسى حتى، لعَمري، كِدتُ عني  أختَـــــــفي

وكَـــــتَـــــــمْـــــتُــــــــهُ  عَنّي، فلو  أبدَيْتُهُ لَوَجَدْتُهُ أخفى منَ اللُّـــــطْفِ الـــخَـــــــفــــي

ولـــــقـــــد أقــــــولُ  لِمــــن تَحَرّشَ بالهَوَى عـــــرَّضتَ نـــفــــسكَ للبلا فــــاســــــــتهــــدفِ

أنتَ القتيلُ بأيِّ منْ أحببتهُ فاخترْ لنفسكَ في الهوى منْ تصـــــــــــطــفـي

ولـــــقـــــدْ صرفتُ لحبِّهِ  كلِّي على يـــــدِ حسنهِ فحمدتُ حـــســــنَ تـصرُّفي

فالعينُ تهوى صورة الحـــسنِ الَّتي روحي بها تصـــبــو إلى مـــعنى خـــــفي

أسْـــعِـــدْ أُخَيَّ، وغـــنِّ لي بِحَديثِهِ، وانثُرْ على سَمْــــعي حِــــــلاهُ، وشَــــــنِّـــــــفِ

لأرى بــــعــــينِ السّـــــمــــــعِ شاهِدَ حسْنِهِ معنى فأتحفني بـــــــذاكَ وشـــــــرِّفِ

يـــــا أخــــــــتَ ســـــعـــــدٍ مــــــنْ حبيبي جــــئـــــتـــــــــني بِرســـالَة أدّيْتِها بـــــتَـــلَـــــطــّــــفِ

فسمعتُ مالمْ تسمعي ونظرتُ ما لمْ تنظــــري وعرفتُ مـــالــــمْ تـــــعـــرفي

إنْ زارَ، يوماً يا حَشايَ تَقَطَّعي، كَلَفاً بهِ، أو سارَ، يـــــــا  عــــــيـــــنُ اذرِفي

3

الخمر في شعر ابن الفارض يحمل المعنى المجازي للكلمة

يطلق اسم القصيدة الخمرية، على القصائد التي تتناول موضوع الخمر، والسُكْر، و أشهرها خمريات أبي النواس.

لكن شعراء الصوفية، أعادوا تشكيل القصيدة الخمرية، بمعانٍ مجازية، حتى أصبحت خمريةً روحية، تتحدث في معناها، عن الغياب عن الدنيا، في العشق الإلهي، ومنها خمرية ابن الفارض، وقوله:

شَربنا عَلى  ذكر الحبيبِ مُدامةً   سَكِرنا بها مِن قبل  أن يُخلَقَ الكَرْمُ

‎لَها البَدرُ كأسٌ  وهي شمسٌ  يُديرها  هلالٌ وكم يبدو  إذا مُزِجتْ  نَجْمُ

‎ولولا  شَذاها  ما  اهتديتُ لِحانِها   ولولا سناها  ما تصوّرها  الوَهْمُ

‎ولَمْ  يُبقِ منها الدهرُ غيرَ حُشاشةٍ كأنّ خفاها، في صدور  النُّهى، كَتْمُ

‎فإن ذكرتْ  في  الحيّ  أصبحَ أهلُهُ  نشاوَى،  ولا عارٌ  عليهم،  ولا إثمُ

‎ومِن بينِ أحشاء الدّنانِ تصاعدتْ وَ لَمْ يبقَ منها، في الحقيقة، إلّا اسمُ

ويتجلى مقصد ابن الفارض في الخمرية، في قوله:

وقالوا: شربتَ الإثمَ  كلّا   وإنّما   شربتُ  الّتي في تركها  عنديَ الإثمُ

‎هنيئاً لِأهلِ الدير  كم سكروا  بها   وما  شربوا  منها، ولكنّهم   همّوا

‎وعندي  منها  نشوةٌ قبلَ  نشأتي،  معي أبدا تبقى، وإن بَليَ   العظمُ

‎عليكَ بها صرفا، وإن شئتَ مزجَها فعدلكَ عن ظَلم الحبيب هو الظُلمُ

ويحاول ابن الفارض أن يقرب موضوع خمره، فيصف صفاتها، ويقول:

يقولون لي: صِفها، فأنت بوصفها خبيرٌ  أَجَلْ عندي بأوصافها علمُ

‎صـــــفاء ولا مــــــاء ولـــطـــــــفٌ ولا هـــوا  ونــــور  ولا  نــارٌ  وروح  ولا جـــسمُ

‎تقدَّمَ   كلَّ   الكائناتِ  حديثُها   قديما   ولا شكل  هناك ولا   رسمُ

‎وقامت بها الأشياءُ ثَمَّ لحكمةٍ  بها احتجبت  عن كلّ  مَن لآله  فهمُ

‎وهامتْ بها روحي بحيث تمازجا    اتّـحادا ولا    جِرمٌ     تخلّلهُ  جِرمُ

‎فخمرٌ ولا كَرْمٌ،  وآدمُ  لي  أب وكَرْمٌ      ولا  خمرٌ،   ولي   أمُّها  أمُّ

‎ولطف  الأواني في الحقيقة تابع   للطف المعاني  والمعاني  بها  تنمُو

‎وقد  وقع التفريق والكلّ  واحد   فأرواحنا  خمر  وأشباحنا   كرمُ

‎ولا قبلها  قبلُ ولا بعدَ  بَعْدَها     وقبليّة  الأبعاد   فهي  لها   حتمُ

ختاماً... حاز ابن الفارض على اهتمام الصوفية وأتباعها، فتغنوا بأشعاره، وأبرزهم ياسين التهامي، الذي أنشد الخمرية، والتائية، وقلبي يحدثني، وغيرها.

كما اهتم اللغوين بشعر ابن الفارض، لفرادة تراكيبه، وجمال تعبيره، ليكون بحق، سلطان العاشقين.

الأوسمة
التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر