اتجاهات وأنواع العولمة

النواحي المتعددة للعولمة، المؤيدون والرافضون وأنواع العولمة وتأثيراتها على الاقتصاد والعالم
الكاتب:علي حسن
تاريخ النشر: 03/12/2016
آخر تحديث: 31/01/2017

يعد مصطلح العولمة واحداً من أكثر المصطلحات التي تستخدم بمعنى خاطئٍ في المحادثات العامة بين الناس، فكما العديد من المصطلحات السياسية والاقتصادية يعد غامضاً نوعاً ما وغير محدد تماماً لمعظم الناس.

عندما يتم الحديث عن العولمة، كثيراً ما يظن النا أن المصطلح مشتق من كلمة "العلم" نظراً للتشابه اللغوي بين الكلمتين. الواقع مختلف تماماً، فلا علاقة لغوية بين الكلمتين، والأمر لا يعدو كونه لبساً ناتجاً عن الترجمة، فالعولمة مشتقة من كلمة "العالم" لا "العلم".

نتيجة الاستخدام الخاطئ للمصطلح، فمن الواجب التنويه إلى المعنى الحقيقي له وإزالة اللبس حوله، وهذا ما سنفعله في هذا المقال.

1

ما هي العولمة؟

يعرف معجم "ميريام ويبستر" الشهير العولمة بأنها العمليات والتصرفات التي تؤدي إلى الامتداد العالمي، خصوصاً في مجال الاندماج المتزايد للاقتصاد العالمي المتمثل بالأسواق الحرة والتدفق الحر لرؤوس الأموال بالإضافة للاستخدام المتزايد للعمالة الرخيصة الأجنبية.

بطبيعة الحال، فالعولمة تمتد لتشمل المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية أيضاً. وإن كان مصطلح العولمة ما يزال حديثاً نسبياً (حيث صيغ مرادفه في اللغة الإنجليزية -Globalization- للمرة الأولى في سبعينيات القرن الماضي) فالعولمة بحد ذاتها أقدم من ذلك، ويمكن القول أنها بدأت مع بداية وجود العلاقات التجارية الدولية بعد أن كانت التجارة محلية فقط.

العولمة التي نصفها بالمصطلح الحديث، بدأت فعلياً مع عصر الهيمنة الأوروبية على العالم والذي بدأ مع اكتشاف الأمريكيتين وأستراليا وتمدد النفوذ الأوروبي نحو الشرق، لكن المصطلح والفكرة لم تتبلور تماماً إلا مع العصر الحديث في العقود الاخيرة، حيث لعبت التكنولوجيا الحديثة ووسائل التواصل السهلة دوراً محورياً في وصل كل أطراف العالم ببعضه البعض؛ محولة ما كان مرة عالماً مترامي الأطراف إلى ما يشبه قرية صغيرة، حيث تصل الأخبار من أي مكان وكل مكان بلمح البصر.

2

أنواع العولمة

العولمة الاقتصادية

تدور العولمة الاقتصادية عادة حول التجارة العالمية، فهي مرتبطة بشدة بالعلاقات التجارية والحركة الحرة للبضائع ورؤوس الأموال بالإضافة للحدود والتشريعات والتعرفة الجمركية والضرائب المختلفة، فالعولمة الاقتصادية تتمثل بالاندماج المتزايد للاقتصاد العالمي بحيث تكون الشركات والمؤسسات أكثر اعتماداً على نظيراتها الأجنبية وعلى الموارد والمواد الأولية والأسواق الخارجية.

العولمة الاقتصادية بدأت في مختلف الأماكن في أوقات متفاوتة، فأولى المحاولات العالمية كانت في مؤتمر (Bretton Woods) الذي حضره ممثلو 44 بلداً أقروا بعده تثبيت قيمة عملاتهم نسبة للذهب (وهو قرار أثبت فشله لاحقاً) بالإضافة لكونه حجر الأساس الذي قام عليه البنك الدولي (World Bank) وصندوق النقد الدولي (International Monetary Fund) ومنظمة التجارة العالمية (International Trade Organization). بالمقابل، فالصين لم تبدأ بالإصلاح الاقتصادي والانفتاح للعولمة إلا في ثمانينيات القرن الماضي، ولا تزال العديد من البلدان مثل كوريا الشمالية وكوبا مصرة على النأي بنفسها عن العولمة وعزل اقتصادها الداخلي.

يمكن النظر للعولمة الاقتصادية كأمر إيجابي أو كأمر سلبي، فمن الناحية الأولى كانت العولمة أمراً أساسياً للنمو الاقتصادي العالمي، كما أنها حسنت اقتصادات البلدان النامية بشكل كبير، لكن بنفس الوقت فالعولمة قد تكون مصدر خطر كبير جداً، فالارتباط الاقتصادي الكبير بين البلدان يجعل الأزمات الاقتصادية المحلية تتضخم أحياناً لتشكل أزمات عالمية كبرى كما في عام 2008 حيث كادت أزمة الرهونات العقارية الأمريكية تطيح بالنظام الاقتصادي العالمي.

العولمة الثقافية

ربما تكون العولمة الثقافية أقل أشكال العولمة شعبية بين الناس وخصوصاً التقليديين، فالعولمة الثقافية تتضمن تناقل الأفكار والعادات والقيم حول العالم بين الحضارات بشكل يجمعها بشكل أكبر ويعزز العلاقات فيما بينها. الاعتراض الأساسي على هذا الشكل من العولمة هو أنه يمحي الهويات الخاصة بالأماكن المتعددة من ناحية، كما أنه يلغي هيمنة العادات والتقاليد في المجتمعات المغلقة والمحافظة والمتعصبة، فالكثيرون يرون في تصرفاتهم وعاداتهم شيئاً مميزاً يجعلهم "أعلى أخلاقياً" من سواهم، والعولمة واستيراد قيم موحدة يرونه كشيء دخيل وأدنى من مستواهم.

بدأت العولمة الثقافية كعرض جانبي للعولمة الاقتصادية، فالتوسع الاقتصادي للشركات الأمريكية مثلاً أدى إلى شهرة المنتجات الأمريكية ومن ثم الملبوسات والفن وحتى أسلوب الحياة الأمريكي.. لاحقاً، استقلت العولمة الثقافية بطبيعة الحال وأصبح الإعلام هو المسؤول الأول عنها حيث لعبت هوليوود مثلاً دوراً كبيراً في هذا الأمر، فالشهرة الكبيرة للأفلام الأمريكية أدت إلى نشر الثقافة الأمريكية حول العالم، كذلك حدث في مجال الغناء، فبداية من موسيقا الروك اند رول (Rock ‘n’ Roll) في ستينيات القرن الماضي وصولاً لموجة الديسكو (Disco) ولاحقاً ما يعرف بالموسيقى الشعبية (Pop Music) تأثر العالم بأكمله ونتج انفتاح ثقافي أكبر من ذي قبل.

تلعب الشركات الكبرى اليوم دوراً كبيراً في هذه العولمة، وربما في مقدمتها سلاسل المطاعم العالمية مثل: (McDonalds و KFC و Pizza Hutt) وغيرها، فكما ساهم المهاجرون في نقل المأكولات المحلية إلى الأماكن الجديدة ومعها بعض العادات والأفكار الثقافية، كذلك فعلت الشركات الكبرى التي جلبت مأكولات غريبة عن الشرق مثل: البرغر والبيتزا ومعها أسلوب الحياة السريع الخاص بالغرب.

العولمة السياسية

تفيد العولمة على المدى الطويل في تقليل أهمية وجود الدول المبنية على أساس قومي، فمنذ النصف الثاني من القرن العشرين بدأت المنظمات المتعددة الجنسيات تأخذ دور الدول القومية في الكثير من الحالات، خصوصاً الاتحاد الأوروبي ومنظمة التجارة العالمية ومجموعة الثمانية الكبار وسواها التي استبدلت أو وسعت الكثير من المميزات القومية مقابل زيادة قوة الاتفاقيات الدولية.

بالإضافة لذلك، فالعولمة -وفق رأي العديد من المراقبين- هي المساهم الأساسي في تقليص الدور الكبير الذي تلعبه الولايات المتحدة الأمريكية كقوة اقتصادية وسياسية كبرى في العالم، ففي العقدين الأخيرين أصبح من الواضح نمو قوى اقتصادية كبرى مثل: الصين التي من المتوقع أن تطيح بالولايات المتحدة وتتربع بدلاً منها على عرش القوى الاقتصادية بحلول عام 2025.

في الوقت الراهن، بدأت المنظمات الربحية وغير الربحية بالتمدد حول العالم لتلعب دوراً كبيراً في التأثير على الحكومات والسياسات العالمية، خصوصاً منظمات مثل: الصليب الأحمر ومحكمة العدل الدولية بالإضافة لمنظمات مثل مؤسسة بيل ومليندا غيتس الخيرية و"الصدى الأخضر" (Echoing Green). هذه المنظمات والجمعيات الخيرية تلعب دوراً كبيراً في محاولة إصلاح الثغرة الواقعة بين البلدان المتقدمة وتلك النامية، فوفقاً لمعهد هدسون (Hudson Institute) تقدر الأموال التي أرسلت إلى البلدان النامية عن طريق منظمات وجمعيات خيرية بـ 59 بليون دولار أمريكي في عام 2010 وحده.

كردة فعل على العولمة المتزايدة، فبعض الدول تعمل على النأي بنفسها وعزل سياستها واقتصادها بشكل متزايد عن المحيط لمنع العولمة من الوصول إليها، فكوريا الشمالية مثلاً، تفرض قيوداً شديدة جداً تكاد لا تسمح للأجانب بالدخول إلى أراضيها (عدا عن منع المواطنين من مغادرة البلاد) وفي حال سمحت لأجنبي بالدخول، فسيكون تحت رقابة شديدة وقيود عديدة تمنعه من ممارسة أي تأثير هناك.

3

مؤشر العولمة

هناك عدة مؤسسات حول العالم تقوم بتقدير مستوى العولمة في البلدان حول العالم، حيث تقوم بدراسة الأحوال السياسية والعلاقات الاقتصادية بالإضافة لحالة المجتمع وغيرها، من بين هذه المقاييس يعد مؤشر KOF للعولمة أشهرها، ووفقاً لهذا المؤشر عام 2014 فالدول العشر الأكثر "عولمة هي كما يلي:

التصنيف

البلد

1

إيرلندا

2

بلجيكا

3

هولندا

4

النمسا

<>5

 

سنغافورة

6

الدنمارك

7

السويد

8

البرتغال

9

المجر

10

فنلندا

عند النظر إلى التصنيف يبدو واضحاً غياب الدول الأمريكية والأفريقية تماماً عن قائمة البلدان العشر الأعلى عولمة، بالإضافة لذلك فآسيا تمثل ببلد واحد فقط مقابل سيطرة أوروبية على القائمة؛ يعود ذلك إلى الوضع الاجتماعي المختلف عن باقي بقاع العالم، فسكان معظم البلاد المذكورة أعلاه لا يتمسكون بشدة بالقومية أو العادات أو غيرها مما يجعلهم أكثر تقبلاً للعولمة من سواهم، ففي بلدان مثل الصين أو حتى روسيا والعديد من بلدان الشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية؛ ما تزال العادات والتقاليد تحكم كل شيء تماماً.
4

الانتقادات الموجهة للعولمة

تواجه العولمة عادة سيلاً مستمراً من المقالات والتحليلات والمواقف المعارضة لها بشكل جذري لأسباب متعددة يمكن تلخيصها وفق الفئات التالية:

  • الخوف من تمدد الرأسمالية: نظراً لكون العولمة تفتح الأبواب واسعة أمام الشركات الكبرى والمتعددة الجنسيات للتمدد في كل مكان، يخشى العديدون من أنها ستحول العالم بأكمله إلى النظام الرأسمالي المطلق، حيث تعيش الطبقات العليا على حساب تلك العاملة التي تعيش في ظروف سيئة للغاية مقابل غيرها.
  • التمسك الشديد بالعادات والتقاليد: تظهر هذه المشكلة بشدة في المجتمعات التقليدية والمحافظة، حيث يتمسك الناس بكل شيء تقليدي بشكل يمنعهم من التعامل مع الثقافة العالمية من ناحية، بالإضافة لخوف من ضياع الصفات المميزة للمجتمعات في بحر الثقافات المندمجة تحت العولمة.
  • العنصرية والفوقية: على الرغم من أن العنصرية اليوم في مستويات أدنى بكثير من القرون الماضية، فالعنصرية لم تمت وما تزال موجودة، والعنصريون يخافون الاختلاط والاندماج بالجماعات الأخرى التي يرون أنفسهم أرقى منها أو على مستوى "أخلاقي" أعلى منها.

في النهاية... تبدو العولمة مستمرة في طريقها على الرغم من المواقف السلبية العديدة تجاهها، وعلى الرغم من الانتقادات العديدة والسلبيات التي يشير إليها الكثيرون فهي ما تزال إيجابية بالمجمل من وجهة نظر العديدين؛ نظراً لكونها تعطي أملاً في عالم أكثر حرية ومساواة وذا فرص أكبر.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر