أجملُ ما قيل في فصل الشِتاء من أشعار وكلام

كلمات جميلة حول حلول فصل الشتاء في الشِعر العربي.. رمزيته.. وتجلياته، وأقوال وأشعار وقصائد وكلمات في فصل الشتاء ومطر الشتاء
تاريخ النشر: 06/12/2016
آخر تحديث: 09/10/2017

"نحبُّ الشّتاءَ، إذا انقطع الدَّربُ، والتمعَ الحبُّ تحت المطرْ، وقالتْ فتاةٌ لعاشِقها: هل نعودُ؟، فحدّق في وجنتيها: إلى أينَ؟، ثمّةَ أرجوحةٌ في القمرْ!" الشاعر عبد الله أبو شميس

تميز الإنسان عن سائر المخلوقات بالرمزية، حيث أنَّ المجاز يشغل حياتنا اليومية، فنحن البشر لدينا لكل حدثٍ أو ظاهرة معانٍ عدة، نترجمها في الفن، والأدب، والشعر.

إضافة إلى الغناء والموسيقى، حيث تطورت هذه الرمزية على مَرِّ الزمان، ابتداءً بالأساطير القديمة، وليس انتهاءً برمزية أدونيس في الشعر الحديث.

ومن بين المواضيع التي تناولها الشِعر برمزيته كان لفصل الشتاء حصةٌ كبيرة، فتارةً يعبِّر عن الحبِّ والرومانسية، وطوراً يعبِّر عن الوحشة والخوف.

1

الحُبُّ والشتاءُ في الشِعر

المعنى الرومانسي والحُبّ، يتصدَّر قائمة المعاني الكثيرة التي يرمز إليها الشتاء، حيث أنَّ معظم الناس يرون في المشي تحت المطر شأناً من شؤون العاشقين.

كما يرون في البرد والجلوس بجوار حبيبٍ ومدفأة، باباً من أبواب الحنان، فتغنى الشعراء بهذا الفصل من السنة، معتبرين أنَّ له ميزةً استثنائية.

شتاء نزار قباني

يقول الشاعر نزار قباني في قصيدته (حقائب الدموع والبكاء):

 إذا أتى الشِتاءْ، وحرَّكتْ رياحهُ ستائري 
أحسُّ يا صديقتي بحاجةٍ إلى البكاءْ/ على ذراعيكِ، على دفاتري.
إذا أتى الشتاءْ، وانقطَعتْ عندلةُ العنادلِ 
وأصبحتْ كلُّ العصافيرِ بلا منازلْ
يبتدئ النزيفُ في قلبي، وفي أناملي/ كأنَّما الأمطارُ في السماءْ؛ تهطلُ يا صديقتي في داخلي.
عندئذٍ؛ يغمرني شوقٌ طفولي إلى البكاءْ/ على حريرِ شعركِ الطويلِ كالسنابلْ، كمركبٍ أرهقهُ العياءْ 
كطائرٍ مهاجرٍ، يبحثُ عن نافذة تُضاءْ، يبحثُ عن سقفٍ لهُ، في عتمة الجدائلْ.

ووجهة نظر الشاعر هنا مأخوذة عن وحشة هذا الفصل، حيث يرى أنَّ كآبة الشتاء، لا يمكن أنْ يعالجها إلا الوصال، أي الارتباط بين الحبِّ والشتاء، باعتبار أنَّ الأخير مضادٌ لآثاره النفسية، فيكمل قباني قصيدته:

مِن أينَ جاءَ الحُزنُ يا صديقتي؟ وكيف جاء؟ 
يَحملُ لي في يده زنابقاً رائعةَ الشحوبْ 
يحملُ لي حقائبَ الدموعِ والبكاءْ.

وفي نفس السياق، من قصيدة له بعنوان (حبيبة وشتاء)

جهنَّمي الصغيرة لا تخافي؛ فهَلْ يُطفي جهنمَ مُستطيعْ؟ 
فلا تخشي الشِتاءَ ولا قواه؛ ففي شفتيكِ يحترقُ الصقيعْ

كما يؤكد هذا المعنى في قصيدةٍ أخرى، حملتْ عنوان (لا وسيلة للتدفئة سوى أنْ أحبَّكِ):

وأنا أيضاً أريدُ أنْ أكونَ في عِشقي شتائياً، وانقلابياً، وعاصفاً

فمع امرأةٍ استثنائيةٍ مثلكِ، لا يمكنني إلَّا أنْ أكونَ استثنائياً

ومع عاشقةٍ مجنونةٍ مثلكِ، لا يمكنني أنْ أبقى مُحارباً على أرضٍ منزوعة السلاح

لا يقلقني الثلجُ، ولا يُزعجني حِصارُ الصقيعِ

فأنا أقاومُه؛ حيناً بالشِعر، وحيناً بالحبِّ

فليسَ عندي وسيلةٌ أخرى للتدفئة، سوى أنْ أحبَّكِ

أو أكتبَ لكِ قصيدةَ حبّ.

شتاء الشاعرة سعاد الصباح

الشاعرة سعاد الصباح، المرأة، التي لها من الرومانسية ورموزها الحصة الكبرى، تستخدم حالة الطقس، لتعبِّر عن مشهد حبٍّ لن يصبح مبتذلاً مهما تكرر، وذلك في قصيدتها (كنْ صديقي)، وإن لم تذكر لفظة (شتاء)، لكنها استخدمت الرمز، والموسيقا الشتائية، فتقول:

كُنْ صديقي، كَمْ جميلٌ لو بقينا أصدِقاءْ

إنَّ كلَّ امرأةٍ تحتاجُ أحياناً إلى صديقْ

و كلامٍ طيبٍ تَسمعُهُ، و إلى خيمةِ دفءٍ صُنِعتْ مِن كلماتْ

لا إلى عاصفةٍ مِن قبلاتْ

 فلماذا يا صديقي لستَ تَهتمُ بأشيائي الصغيرة؟

و لماذا .. لستَ تَهتمُ بما يُرضي النِساء؟

وعندما أُعيدت كتابة القصيدة، لتغنيها المغنية اللبنانية ماجدة الرومي، لم يتخلى اللحن عن طقس القصيدة الشتائي، بل زاد عليه، حتى لو تغيرت الكلمات:

كمْ جميلٌ لو بَقينا أصدِقاءْ

إنَّ كلَّ امرأةٍ تحتاجُ إلى كَفِ صديق؛ كُن صَديقي

هواياتي صغيرة واهتماماتي صغيرة

وطموحي أنْ أمشي، ساعاتٍ معكَ، تحت المطر

عندما يسكنني الحزن و يبكيني الوتر.

وسيلاحظ القارئ، أن الشاعرة ترى نفس المعنى الذي يراه نزار قباني؛ فالشتاء موحش (عندما يسكنني الحزن ويبكيني الوتر)، والحبُّ، والصداقةُ، هما الترياق لوحشته.

شتاء الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم

أيضاً الشاعر إبراهيم محمد إبراهيم، يرى في الحبيب ملاذاً من برد الشتاء، كما يتخذ من عادات الشتاء استعارة جميلة، فيقول:

زمّليني برمشكِ، واستَغرِقي في الكَلامِ المُبعثرِ

ذاكَ الَّذي لا يَفُكّ طلاسمهُ الشّعراءُ

وانزعي سترةَ البردِ عني، بجمركِ يكتملُ المشهدُ الشّتويُّ

وفي أضلُعي يستوي الكستناءُ.

شتاءات أخرى

الشاعر عمر سليمان، في قصيدته (شتاء الحنين، وريح المدينة)، يبحث عن حبيبته، في برد الشتاء، يشتاق إليها شعراً، أو ربما يبحث عن طريقة ليتخلص من حنينه إليها:

كيفَ أقولُ؟ وخَطْوُكِ تفعيلةٌ لم يَطلْها الخَليلُ

وكيفَ أراكِ إذا فجأةً ترجعينَ لبردِ المدينةِ

وَضَّبتِ هذا المكانَ بمحفظةِ الذكرياتِ، وعلَّقْتِهَا فوقَ كَتْفِ الغيابِ

غرستِ فراغاً بكرسيِّ بُعْدِكِ/ ها إنني الآنَ وحديْ، يبعثرني الحزنُ بينَ ضجيجِ المقاهيْ

ولا شيءَ إلا ضياعيْ، ودمعيْ وبردُ الشتاءْ.

وللشاعر ياسر الأطرش شتاؤه المميز، فهو الفراشة التي أغوتها النار، فأحرقتها:

وأيضاً.. يَقومُ الشِتاءُ قتيلا‏

وأعرفُ أنَّ الَّذي جاءَ موتي، وأقرأ وجهَكِ إلا قَليلا‏

وهذا الوقوفُ على بابِ حُزنٍ قديمٍ يطولْ‏

ويطفئُ في الروحِ قنديلَ ذكرى‏، ويُوقدُ سِرباً مِن الخوفِ‏

سرباً يضيء احتمال الحياةِ، وسرباً ضليلا‏

فلا تكتبيني شتاءً طويلاً، لأنَّ الرِفاق انتهوا في الزحامِ‏

ووحدي، دخلتُ شتاءكِ ناراً‏

فكنتُ احتراقَ دمي، والفَتيلا‏

كوَجهي يَقومُ الشِتاءُ قَتيلا‏

ولمحمد الماغوط شتاءات كثيرة، لكن شتاءً مميزاً منها، في حبِّ ابنتيه (سلافة، وشام)، تجلى شتاؤه هذا في قصيدته (الشتاء العجوز).

حيث لم يقصد في العنوان إلا نفسه، فيقول لابنته شام:

شام؛

 كلُّ ما أكلتُهُ وشربتُهُ وعشتُهُ، وهمٌ وهُراء...

وأنتِ وحدَكِ الحقيقة

صوتُكِ البعيدُ كأمٍّ وطِفلة

يُغنِيني عن هاندل وموزارت

وحفيفُ الأشجار في الليل

ثم يقول لابنته سلافة:

وأنتِ يا سلافة؛

عندما أنظرُ إلى عينيكِ الخضراوين العميقتين كبحرِ الظلمات

وإلى أسنانكِ الناصعةِ كياسمينِ الشِتاءْ

بكلِّ هذا الولعِ والاستغراق، أستغربُ كيف يخطر لكِ بأنني أوثر شام عليكِ

وهَلْ يعقل أن أحبَّ نصف وطن؟، وأعبد نصف إله؟

أنتِ لا تعلمين مثلاً، بأنني صباح كل عيد

أتلفع بثيابي الواقية من المطر أو الشمس، وأتوكأ على عكازي

لأقرأ الفاتحة على طيورك وقططك المدفونة في الحدائق العامة

وأغمر قبورها الصغيرة بالزهور والقبلات.

2

أشعار الشتاء البائسة

يحمل الشِعر في جعبته إكسير المجاز، فالشاعر يرى بعينٍ غير التي نرى بها، فتُفتح بصيرته على غير ما نراه، ومنه ما رآه المعري في الشتاء، حيث أوحى له فصلُ الرعد والمطر، بتقلب الأيام ومرور الزمن، ليقول أبياتاً قليلة، لكنها تعبِّر عما في داخلنا:

عَصرُ شتاءٍ، وعَصرُ قَيظٍ وعيدُ فِطرٍ، وعيدُ نحرِ

ويومُ نُعمى، ويومُ بؤسٍ ونحنُ في خُدعةٍ وسِحرِ

كأنّنا، والزّمانُ يمضي رَكْبُ سَفِينٍ بــــلُــــــــجّ بحــــرِ

شتاء الشاعر نائل الحريري

في قصيدته (حُلمُ ليلةِ منتصف الشتاء)، يصوِّر الشاعر نائل الحريري ليلة رأس السنة الميلادية، التي تترافق مع أقسى أيام الشتاء عادةً، كما أنَّه يتحدث من "مشفى الأمراض العقلية، العنبر رقم3" حسب وصفه، فينعكس جنونه في القصيدة، كما تنعكس آثار شتائه الحزين:

هذا الطريقُ ممزَّقٌ مثلي

وحيٌّ يفتحُ الأبوابَ للدَّمِ والهواءْ/ وأنا المحَطَّمُ، خلفَ نافذتي يُطِلُّ العمُّ (سانتا)

حاملاً في الكيسِ أشرعةَ البكاءْ

فأسيرُ من وجعي إلى وجعي، وتغمرني شرايينُ المساءْ

وأراكِ في عينيكِ، خلفَ الثلجِ والأفقِ البعيدْ... والحزنِ.

صارَ الحزنُ نافذتي... أتى عامٌ جديدْ

وفي مقطع آخر:

عامُ الحزنِ جاءْ، وأنا أراكِ، ولا أراكِ

وحينما الأطيارُ تهجرُ عشَّها؛ تنساهُ في أيدي الشِّتاءْ

ألقاكِ نجماً في فضاءِ الرُّوحِ، تنهشهُ الليالي، والثلجُ يُلهِبُ راحتيَّ، ويطفِئ الغدَ في خيالي

شتاء الشاعر عبد الحميد الصائح

في زحام شتاءات الشعراء، يطل الشاعر عبد الحميد الصائح، بشتائه الخاص، فهو افترضَ شتاءً له وحده، لا هو فصلٌ من الفصول، ولا هو مكانٌ من الأمكنة، إنما هو الشاعر نفسه، فيقول في قصيدته بعنوان (شتاء):

في شتــــــاءٍ مُفتـَرَضْ، أروِّضُ موتي المرابطَ عندَ البابْ

وأُدخلُ حاشيتي الى الضبابْ

وأتركُ سيرتي المرتبكةَ تلهو أمامَ موقدِ الكلماتْ

هنا… تهطلُ أمطارٌ مكتوبةْ، تتلوّى ظلالٌ لأرصفةٍ، وحواملُ يهدّدنَ المنجمينْ

أقمتُ إمطاري وجذوري، وأوقفتُ الهواءَ عن الجريانْ، لآخذَ قسطاً من الموتْ

أمرّ على الكتابةِ مشياً؛ فيسيلُ دماغي ليُعشِبَ أريافاً، وحقائبَ ليستْ أشجاراً

أعلِّمُها الحُلمَ في المماتْ، وأستدينُ عزلةً لشتاءٍ مفترضْ.

شتاء الشاعر صلاح عبد الصبور

من جهة أخرى، يتنبأ الشاعر صلاح عبد الصبور بحلول أجله شتاءً، من خلال قصيدته (أغنية الشتاء)، على الرغم أنّهُ مات في شهر آب/أغسطس عام 1981، أي في منتصف الصيف!، إلا أنه قَتلَ نفسه في هذه القصيدة، وشتاءً:

ينبئني شِتاءُ هذا العام، أنَّني أموتُ وَحدي/ ذاتَ شتاءِ مثلّهُ، ذاتَ شتاءْ

يُنبئني هذا المساءُ أنَّني أموتُ وحدي/ ذاتَ مساءِ مثلَهُ، ذاتَ مساءْ

وأنَّ أعوامي التي مضتْ كانتْ هباء، وأنَّني أقيمُ في العَراء

ينبئني شتاءُ هذا العامِ أنَّ داخلي مرتجفٌ بردا

 وأنَّ قلبي ميتٌ منذ الخريف، قد ذوى حين ذوتْ، أولُ أوراقِ الشجر

ثم هوى حين هوتْ، أولُ قطرةٍ مِن المطر

و أنَّ كلَّ ليلةٍ باردةٍ تزيدهُ بُعدا، في باطن الحجر

شتاءاتٌ بائِسةٌ أخرى

منها شتاء الشاعر فاروق جويدة، الذي يقول في قصيدته الرائعة (من ليالي الغربة):

الليلةُ عدنا أغرابا والعُمرُ شتاءْ

فالشمسُ توارتْ في سأمٍ، والبدرُ يجيءُ بغير ضياءْ

أعرفُ عينيكِ وإنْ صِرنا بعضَ الأشلاءْ

طالتْ أيامي أمْ قَصرتْ فالأمرُ سواءْ

قد جئتُ وحيداً للدنيا، وسأرحلُ مثل الغرباءْ

أما شتاءُ الماغوط فهو كئيب دائماً، حيث يقول في قصيدته (حكايات الشتاء):

أيَّتها الأرصفةُ عانقيني، أيَّتها الثلوجُ دثّريني

أيَّتها الريح العجوز، احكي لي قصةَ الشاطرِ حسن

وعلاءِ الدين، والفانوسِ السحري، ولصِ بغداد، والسندبادِ البحري

وكلَّ الحكاياتِ الخياليةِ في ذاكرةِ الشيوخِ والأطفال، وحكاياتِ الحجاج، وأبو جعفر المنصور

والضبعِ والضبعة، والغولِ والغولة

التي تعيشُ بشحمها، ولحمها، وأنيابها، وأقدامها، بين الجميع.

3

أشعار الشتاء والوطن

أبدع شعراء العربية في وصف البلاد وأحوالها، على الرغم مما تجرعته بلدانهم من أسى، إلا أنَّهم حاربوا بالحرف، فما تركوا وسيلةً في اللغة، إلا استخدموها في مرادهم هذا، فإذا تغنوا أسعدوا، وإذا تباكوا أبكوا.

شتاء فلسطين المحتلة

لفلسطين المحتلة مكانها في وجدان الشاعر العربي، كما أنَّ لشتائها ألوانه المختلفة، ربما يكون الشاعر سميح القاسم، أفضل مَن لوًّن شتاء فلسطين، في قصيدته البديعة (أمطار الدم):

يا موقداً رافقتَني منذ الصَغر، أتُراكَ تذكرُ ليلةَ الأحزان؟

إذ هزَّ الظلامُ ناطورَ قريتنا ينادي الناسَ: هبّوا يا نِيامْ

دَهمَ اليهودُ بيوتكمْ، دَهمَ اليهودُ بيوتكمْ، أتُراكَ تذكرُ؟

آهٍ يا ويلي على مُدن الخِيام!

مِن يومِها يا موقداً رافقتُهُ منذ الصغر/ مِن يوم ذاكَ الهاتفِ المشؤومِ زاغ بِيَ البصر

فالشمسُ كتلةُ ظلمةٍ، والقمحُ حقلٌ مِن إبر

يا عسكرَ الإنقاذ مهزوماً!، ويا فتحاً تكللَ بالظفر!

لم تخسروا، لم تربحوا، إلا على أنقاض أيتام البشر

ثم يختتم قصيدته بقوله:

و تُدمدم الأمطارُ، أمطارُ الدَّمِ المهدوم، في لغةٍ غريبةْ

و يهزُّ زوجتهُ أبو محمود في لغةٍ رهيبةْ

قولي أعوذُ تكلّمي، ما لون... ما لون المطر؟

ويلاه من لون المطرْ.

شتاء العِراق الحزين

من أشهر القصائد التي تحمل أجواء الشتاء، رائعة الشاعر العراقي بدر شاكر السياب (أنشودة المطر)، ببنائها اللغوي الفريد، وموسيقاها الفذَّة.

وفي هذا المقطع الذي نورده، يستغرب الشاعر كيف يأتي الشتاء إلى العراق، محمَّلاً بالمطر والخير، لكن الجوع يبقى في البيوت، إلا أنّهُ لا يقفل في وجه الأمل باب القصيدة:

ومنذ أنْ كنَّا صغاراً، كانتْ السماءُ، تغيمُ في الشتاءْ، ويهطلُ المطر

وكلَّ عامٍ حين يعشبُ الثرى نجوعْ، ما مرَّ عامٌ والعراقِ ليس فيه جوعْ

مطر، مطر، مطر

في كلِّ قطرةٍ من المطر، حمراءُ أو صفراءُ من أجنَّة الزَّهَرْ

وكلِّ دمعةٍ من الجِياعِ والعراة، وكلِّ قطرةٍ تُراق من دمِ العبيدْ

فهي ابتسامٌ في انتظارِ مبسمٍ جديد، أو حُلمةٌ تورَّدتْ على فمِ الوليدْ

في عالم الغد الفتيّ، واهب الحياة...

مطر، مطر، مطر

سيُعشبُ العراقُ بالمطر"

كما أنَّ لشاعرٍ عراقي آخر، شتاءٌ آخر، حيث يقول الشاعر أحمد مطر، في قصيدة مضحكةٍ مُبكية، توافق مقولة (شر البلية ما يُضحك):

نحنُ لسنا فقراءْ، بلغتْ ثروتُنا مليونَ فقرْ

و غدا الفقرُ لدى أمثالنا، وصفاً جديداً للثراءْ

وحدهُ الفقرُ لدينا كانَ أغنى الأغنياءْ

بيتُنا كان عراءْ، والشبابيك هواءٌ قارسٌ، والسقفُ ماءْ

فشَكونا أمرنا عِندَ وليِّ الأمرِ فاغتمْ

ونادى الخبراء، وجميع الوزراء، وأقيمت ندوة واسعة/ نوقش فيها وضع إيرلندا، وأنف الجوكندا

وفساتين اميلدا، وقضايا هونو لولو، وبطولات جيوش الحلفاءْ

ثم بعد الأخذ والرد، صباحاً و مساءْ، أصدرَ الحاكمُ مرسوماً بإلغاءِ الشتاء!

شتاء سوريا بنكهة الغربة

كَتبتْ الأديبة والشاعرة غادة السمان قصيدتها (عاشقة في مدنٍ بلا ذاكرة)، تحت وطأة الغربة القاسية، بعيداً عن بلادها سوريا.

فلا شتاء عندها كشتاء بلادها، ولا ذكريات كذكريات بلادها، فنراها قد وجدت أن الهجرة قد حانت إلى الوطن:

ها أنا أمدّد أجساد أحبائي القتلى، فوق طاولة كتابتي، وأنهمر مطراً وحبراً..

أتعرِفُ يا صديقي طعمُ مُدنٍ بلا ذاكرة، وحاناتٍ بلا عصافير

وقطاراتٍ بلا محطات، تهرول بك فوق سكك الأحزان اللامتناهية؟

آه كم من الكوابيس أعادتني إليك، وأنا أفتتح متاحف الحزن، وأقص الشريط التذكاري بأسنان البكاء.

أتعرفُ يا صديقي طعم الوحشة، حين ينتحب المطرُ فوق رأسكَ...

في مأتم شتاء المدن الكبيرة، وأنت تهرول وحيداً، تتزلج فوق الكآبة والذكريات؟

أعرفُ أنَّ المراكبَ في المرفأ تشكو الضجر، ولكن المراكبَ المبحرةَ تشكو الغُربة

وتَشهدُ أنَّ موسم الهجرةِ إلى الوطن قد حان.

شتاء تونس الخضراء

في قصيدته المشهورة (إذا الشعب يوماً أراد الحياة)، يصور الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، أي شتاء يريد له أن ينجلي عن تونس الخضراء، وشبابها:

وقــال لــيَ الغــابُ فــي رقِّـةٍ مُحَبَّبَـــةٍ مثــل خــفْق الوتــرْ

يجــئ الشــتاءُ، شــتاءُ الضبـابِ، شــتاءُ الثلــوجِ، شــتاءُ المطــرْ

فينطفــئُ السِّـحرُ، سِـحرُ الغصـونِ وســِحرُ الزهــورِ، وسـحرُ الثمـرْ

وسِــحرُ السـماءِ، الشـجيِّ الـوديعِ، وسِــحرُ المـروجِ، الشـهيِّ، العطِـرْ

وتهـــوِي الغصــونُ، وأوراقُهــا، وأزهــارُ عهــدٍ حــبيبٍ نضِــرْ

وتلهــو بهـا الـريحُ فـي كـلِّ وادٍ، ويدفنُهَــا الســيلُ، أنَّــى عــبرْ

لكنه أيضاً، يشق باب الأمل أمام شباب بلاده، فيبشِّرهم ألَّا بد من ربيع

ومـــا هُــو إلا كخــفقِ الجنــاحِ حــتى نَمــا شـُـوقُها وانتصـرْ

فصَـــدَّعت الأرضَ مــن فَوقِهــا وأبْصــرت الكـونَ عـذبَ الصُّـوَرْ

وجـــاءَ الـــرَبيعُ، بأنغامِـــه، وأحلامِـــه، وصِبـــاه العطِــرْ

وقبَّلهـــا قُبَـــلاً فــي الشــفاهِ تعيــدُ الشــبابَ الــذي قـد غَـبَرْ

وقــالَ لهــا: قـد مُنِحْـتِ الحيـاةَ وخُــلِّدْتِ فــي نســلكِ المُدّخَــرْ

وبـــاركَكِ النُّـــورُ، فاســتقبلي شــبابَ الحيــاةِ وخِــصْبَ العُمـرْ

ومَــن تعبــدُ النــورَ أحلامُــه يُبَارِكُـــهُ النّــورُ أنّــى ظهــرْ

شتاء مصر العظيمة

من كتابه (كتاب الصيف والشتاء)، ينقل الشاعر المصري أمل دنقل صورةً من شتاء مصر:

حين سَرَتْ في الشارعِ الضَّوضاءْ/ واندفَعَتْ سيارةٌ مَجنونةُ السَّائقْ

تُطلقُ صوتَ بُوقِها الزاعقْ، في كَبدِ الأَشياءْ

تَفَزَّعَتْ حمامةٌ بيضاءْ، كانت على تمثالِ نهضةِ مصرْ تَحْلُمُ في استِرخاءْ

طارتْ، وحطَّتْ فوقَ قُبَّةِ الجامعةِ النُّحاسْ، لاهثةً، تلتقط الأَنفاسْ

وفجأةً: دندنتِ الساعة، ودقتِ الأجراسْ، فحلَّقتْ في الأُفْقِ، مُرتاعهْ!

(أيتُها الحمامةُ التي استقرَّتْ فوقَ رأسِ الجسرْ)

وعندما أدارَ شُرطيُّ المرورِ يَدَهُ، ظنتْه ناطوراً يصدُّ الطَّيرْ؛ فامتَلأتْ رعبا

أيتها الحمامةُ التَّعبى: دُوري على قِبابِ هذه المدينةِ الحزينةْ، وأنشِدي للموتِ فيها، والأسى، والذُّعرْ

حتى نرى عندَ قُدومِ الفجرْ، جناحَكِ المُلقى على قاعدةِ التّمثالِ في المدينةْ، وتعرفين راحةَ السَّكينةْ!

ختاماً... كما رأينا؛ فإن للشعراء شتاؤهم، وللبلدان شتاؤها، كما أنَّ من الناس من استطاب الشتاء، فوجد فيه حضناً دافئً، أو ذكرى جميلة، لكن منهم أيضاً، من أرهبته وحشة البرد، والعواصف؛ فمن أنتَ بين هؤلاء؟

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر