قصة الشاعر أبو الطيب المتنبّي والملك كافور

المتنبّي شيخُ الكار... خيرُ المديح وشرُّ الهجاء في آنٍ معاً!
تاريخ النشر: 06/12/2016
آخر تحديث: 23/09/2017

استخدم المتنبّي أحسن الصفات في مديح كافور، ثمَّ استخدم أبشع الصفات، وأكثرها عنصرية في هجائه، تعرَّف معنا على أسباب انتقال المتنبّي من صداقة ملك مصر الإخشيدية إلى عداوته.

أمَّا أبو الطيب المتنبّي؛ فهو من أساطين الشِعر العربي، حيث لم يتجاوزه بشهرته أحد، كما حفظت الأجيال أبياته، لتعدد معانيها، واختلاف ظروف استخدامها، فمنها الحِكمَة، والغزَل، كذلك المديح والهجاء والرثاء.

وأمَّا كافور، فهو ملكٌ مِن ملوكِ الدولة الإخشيدية، التي حكمت مصر والشام في القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي، فكان من حُسن حظ كافور، وسوء حظه في آن، أنَّ شاعر العرب أبو الطيب المتنبّي، نزل عليه، فمدحه خير المديح، ثمَّ هجاه شرَّ الهجاء.

1

من هو أبو الطيب المتنبّي؟

هو أحمد بن الحسين الجعفي، أبو الطَيب، ولد في الكوفة، سنة 303 هجرية، 915 ميلادية، لُقِّب بالمتنبّي لادعائه النبوة لنفسه (كما قيل)، كما تعلَّم أبو الطيب أصول اللغة، وحفظ تاريخها، حتى أنَّه ما أجاب عن سؤالٍ إلا وأجاب بما قاله العرب، شِعراً ونثراً، فكان من عمالقة اللغة العربية، متمكناً من بيانها، عارفاً لفصاحتها، كما عرفه العرب شاعراً من صباه، انتقل من العراق إلى الشام، ثمَّ لحق مجلس سيف الدولة الحمداني في حلب، فلم يكن مدَّاحاً لأحدٍ، كما كان لسيف الدولة، حتى بعد أن غادر مجلسه إلى الشام، فمصر، ثمَّ بلاد فارس، إلى أن قُتل في سواد العراق، وما قتله إلا شِعره، حيث هجا ضبةَ بن يزيد بأمه، فقال في ذلك أقذر الكلام، ومنه قوله:

وما يشِقُ على الكَلــبِ أنْ يَكونَ ابن كَلـبَة

ما ضرَّها مَنْ أتَاها وإنَّما ضَرَّ صُلبَه

ولما بلغ أمر القصيدة فاتكاً الأسدي -خال زيدٍ-  قرر أن يقتل الشاعر الذي شتم أخته، إلا أنَّ المتنبّي رفض الهروب، كما رفض أنْ يحمل معه مرافقين أثناء سيره إلا ابنه وغلامه، فقتلهم فاتكٌ جميعاً في سواد العراق، في السابع والعشرين من أيلول/سبتمبر عام 965 للميلاد.

2

من هو أبو المِسك (الملك كافور)؟

توفي محمد بن طغج الإخشيد في دمشق سنة 334هـ/946م، وهو مؤسس الدولة الإخشيدية، التي حكمت مصر والشام آن ذاك، كما كان له غلامٌ اسمه أبو المسك كافور، اشتراه الإخشيد من عبيد النوبة، فأولاه تربية أبنائه لإخلاصه، ثمَّ تولَّى وصايتهما بعد وفاته، فحكم كافورٌ مصرَ والشام، وصياً على أونجور، ثمَّ علي، أبناء الإخشيد، لكنه كان الحاكم الفعلي، ثمَّ سمَّاه الخليفة العباسي المطيع لله، ملكاً رسمياً على الدولة الإخشيدية، بعد وفاة عليّ بن الإخشيد عام 966 للميلاد، فحكم كافور مصر حتى وفاته فيها سنة 357هـ/967م، ثمَّ دفن في القدس الشريف، كما نجح الفاطميون بالوصول إلى حكم مصر بعد وفاته بعامٍ واحد.

3

كان للمتنبّي في ضيافة كافور مآرب أخرى غير المكوث في قصره

كان المتنبّي ضيف الملوك، فأين ما حلَّ، نزل على ملكٍ أو أمير، كما كان شِعره وساطته لدى الملوك، فيقول مادحاً ليرتفع منزلةً، لكن طموح المتنبّي كان كبيراً، فهو إنْ صح أنّه ادّعى النبوة، كان يرغب في أكثر من مجالسة الملوك، حيث أنّه على ما يبدو، كان ميالاً للسلطان والجاه، طامعاً بولايةٍ، أو إمارة، لكنه لم يحصل على شيء، بل عاش متنقلاً بين القصور، يرمي المديح، ويُضمِّنه الهجاء، ومديح نفسه، إلا أنْ قَتلهُ شِعره في سواد العراق، حيث بلغ من الشجاعة وعزَّة النفس، أنَّه لم يهرب من قاتله، وهو القائل (الخَيلُ والَّليلُ والبيدَاءُ تَعرِفُني والسَّيفُ والرُّمحُ والقِرْطاسُ والقَلَمُ).

لكن المتنبّي أحبَّ سيف الدولة، ومدحه في مجلسه أحسن المديح، كذلك قال فيه أجمل القول بعد أن غادره، ربما لأن المتنبّي قدِم إلى سيف الدولة شاباً، كما أنَّهما كلاهما سليلين، ومن علية القوم، أما مع كافور، اختلف الأمر، حيث لم يدخل المتنبّي على كافور إلا راغباً بالسلطة، طامعاً بالجاه، فمدحه، وجمَّله، لكن كافوراً كان حكيماً، مرهوب الجانب، حكم مصر سنيناً بالوصاية، ثمَّ حكمها رسمياً، لذلك لم يُلقِ بالاً إلى طموح المتنبّي، واكتفى بشِعره، إلى أنْ ضاق المتنبّي به ذرعاً، فجعل من شِعره سلاحاً، يستعيد به بعضاً من كرامته، حيث سنستعرض في ما يلي، ما قاله المتنبّي في مديح كافورٍ، وهجائه.

4

المتنبّي في مديح كافور

كان كافور هو من كاتَب المتنبّي ليستقدمه إليه، لمَّا كان الأخير في الشام، بعد أن غادر مجلس سيف الدولة، فلمَّا وصل أبو الطيب إلى مصر، أعطاه كافورُ داراً، وأغدق عليه بالدراهم، فقال فيه المتنبّي قصيدةً طويلةً، لكنه كعادته، أبى ألا يضمنها ذاته، فبدأها معاتباً سيف الدولة، واضعاً حكمته في أبياتها، حيث يستهل القصيدة بقوله:

كَفى بِكَ داءً أَن تَرى المَوتَ شافِيا وَحَسبُ المَنايا أَن يَكُنَّ أَمـانِيــا

تَمَنَّــــيـــــــــتَها لَمّـــــا تَمَنَّيـــــتَ أَن تَـــرى صَديقاً فَأَعيا أَو عَـــــدُوّاً مُـــداجِــــــيــــــا

إِذا كُـــنـــتَ تَرضى أَن تَعيشَ بِـذِلَّةٍ فَلا تَستَعِدَّنَّ الحُســامَ اليَمانِيا

وَلا تَـــستَــــطيــــلَــــنَّ الرِماحَ لِغارَةٍ وَلا تَــــستَجــيـــدَنَّ العِـــــتــــاقَ المَذاكِــيــــا

فَما يَنفَعُ الأُسدَ الحَياءُ مِنَ الطَوى وَلا تُتَّقى حَتّى تَكــــونَ ضَــوارِيــا

حَبَبتُكَ قَلبي قَبلَ حُبِّكَ مَن نَأى وَقَد كانَ غَدّاراً فَكُن أَنتَ وافِيا

وَأَعـــلَمُ أَنَّ الـبَينَ يُشكيكَ بَعدَهُ فَلَستَ فُؤادي إِن رَأَيتُـكَ شاكِـــيــــا

فَـــــإِنَّ دُمــــــوعَ الـــــــعَينِ غُدرٌ بِــــرَبِّهـــــا إِذا كُـــــنَّ إِثـــرَ الــــــغادِريــــــنَ جَوارِيـا

(المفردات؛ المنايا: جمع منيَّة وهي الموت، مداجي: المداري الذي يستر العداوة، تَستَعِدّنَّ: من الاستعداد والعُدَّة، المذاكي: الذي تمت أسنانه، الطوى: الجوع، غُدرٌ بربِّها: أي تغدر بصاحبها إذا بكى على خليلٍ غدَّار).

ومن أسلوب المتنبّي، أنَّه ما له من قصيدة، إلا حمَّلها كلَّ ما يريد قوله، فإنّْ بدأها ببكائه على حاله مع سيف الدولة، لم ينسى استجداء كافورٍ، وتذكيره بالعطاء، ثمَّ يلحقها ببيت من الشكوى والعتاب مجدداً، ثمَّ في وفائه وإخلاصه، فيتابع قصيدته:

إِذا الجودُ لَم يُرزَق خَلاصاً مِنَ الأَذى فَلا الحَمدُ مَكسوباً وَلا المالُ باقِيا

وَلِـــلنَفسِ أَخـــــلاقٌ تَدُلُّ عَلى الفَتى أَكانَ سَخاءً ما أَتى أَمْ  تَــساخِـــيــــا

أَقِلَّ اشتِياقاً أَيُّها القَلبُ رُبَّما رأيتُكَ تُصفي الوُدَّ مَن لَـــيسَ جازِيـــا

خُــــلِـقتُ أَلوفاً لَو رَحَلتُ إِلى الصِبا لَفارَقتُ شَيبي موجَعَ الــــقَلـبِ بــــاكِـــيـــا

وكأن أبو الطيب يقول لكافور في هذه الأبيات: "أعطني ما لم يعطني إياه سيف الدولة، فأنا المخلِص الوفيّ، حتى أنَّني لا أستطيع أنْ أفارق المشيب إلى الصبا، بلا حزن على ألفة الشيب"، أما بعد هذه المقدمة البديعة، يبدأ المتنبّي بالمديح، فيقول:

وَلَــــكِــــنَّ بِالـفُسطـــاطِ بَـــــحـــراً أَزَرتُــــــهُ حَياتي وَنُــــــصــــــحي وَالـــــهَــــوى وَالقَوافِيا (الفسطاط مدينة في مصر ويقصد بالبحر كافور)

وَجُــــــــرداً مَدَدنا بَينَ آذانِها القَنــــا فَبِتنَ خِــــفــــافــــاً يَتَّبِعنَ الــــــعَـــــوالِــــيـــــا

تَماشى بِأَيدٍ كُلَّما وافَتِ الـــصَــــفا نَــــقَـــــشنَ بِهِ صَدرَ البُزاةِ حَوافِـــيــــا (يقول أن الخيل تركت في الصخور نقوشاً تشبه صدور البزاة وهو نوع من الصقور)

وَتَنظُرُ مِن سودٍ صَوادِقَ في الدُجى يَرَينَ بَعيداتِ الشُخوصِ كَما هِيَ

وَتَنصِبُ لِلجَرسِ الخَفيِّ سَوامِعاً يَخَلنَ مُناجــــاةَ الــــضَــــمــــيرِ تَـــــنـــادِيـــا

تُجاذِبُ  فُرسانَ  الصَباحِ  أَعِـــــنَّةً  كَــأَنَّ عَلى الأَعـــــنـــــاقِ مِنهـــــا أَفـــاعِـــــيـــا (يصفُ قوة الخيل التي تجتذب فرسانها بالعنان)

بِعَزمٍ يَسيرُ الجِسمُ في السَرجِ راكِباً بِهِ وَيَسيرُ القَلبُ في الجِــســــمِ مــاشِـــيــا

قَواصِدَ كافورٍ تَوارِكَ غَيرِهِ وَمَن قَصَدَ البَحرَ اِستَــــــقَــــلُّ السَواقِــيــــا

فَــــــجــــاءَت بِنا إِنــــســــــانَ عَينِ زَمـــــــانِهِ وَخَلَّت بَياضاً خَلـــــفَهــا وَمَــآقِـــــيـــــا

نَجوزُ عَلَيها المُحسِنينَ إِلى الَّذي نَرى عِنـــــدَهُم إِحــــســــانَـــــهُ وَالأَيــــادِيـــــا

فَتىً ما سَريْنَا في ظُهوُرِ جُدودِنَـــا إِلى عَـصـــــرِهِ إِلّا نُرَجّي التَلاقِـــــيــــا

تَرَفَّعَ عَن عُونِ المَكارِمِ قَدرُهُ فَــــمـــــا يَفــــــعَـــــــلُ الفَعـــــلاتِ إِلّا عَـــــذارِيـــا (العُون: النساء المتزوجات، أي أنَّ كافوراً سباق إلى الفعل)

يُـــبــــيــدُ عَـــــــداواتِ الــبُغــــــاةِ بِلُطفِهِ فَإِن لَم تَبِد مِنهُم أَبــــادَ الأَعــــادِيـــــا

أَبا المِسكِ ذا الوَجهُ الَّذي كُنتُ تائِقاً إِلَيهِ وَذا اليَومُ الَّذي كُنتُ راجِــــــيــا

لَقيتُ المَرَورى وَالشَناخيبَ دونَهُ وَجُبتُ هَجيراً يَترُكُ المــــاءَ صـــادِيــــا (المرورى: الفلوات الخالية، الشناخيب: رؤوس الجبال)

أَبا كُلِّ طيبٍ لا أَبا المِسكِ وَحدَهُ وَكُلَّ سَحابٍ لا أَخَصُّ الغَوادِيا

يَــــــدِلُّ بِمَعنىً واحِــــــــدٍ كُـــــلَّ فاخِرٍ وَقَد جَمَعَ الرَحمَنُ فيكَ المَــــعانِيــــا

إِذا كَــــسَـــبَ الــنـــاسُ المَعالِيَ بِالنَدى فَإِنَّكَ تُعطي في نَداكَ المَعالِـيــا

وَغَــيــــــرُ كَـــثـــيـــــرٍ أَن يَــــزورَكَ راجِـــــلٌ فَـــــيَــــرجِــــعَ مَلـــــكـــــاً لِلعِــراقَينِ والِيــا

ونتوقف عند هذه الأبيات، التي تفضح قصد المتنبّي من مدح كافور، خاصة في البيتين الأخيرين، فما نهج المتنبّي في مديح سيف الدولة، كنهجه في مديح كافور، وهو الذي يقول في العتاب للأمير الحمداني سيف الدولة:         

يا أعدَلَ النَّاسِ إلّا في معاملتي فيكَ الخِصامُ وأنتَ الخصمُ والحَكَّمُ

إنْ كانَ سَرَّكُمُ ما قَالَ حَاسِدُنـا فمــــا لجُرحٍ إذا أرضَــاكُــــمُ ألــــمُ

لا بد أنكَ تلاحظ الفرق بين الخطابين، من ناحية العاطفة، لجهة الحمداني، والتملق لجهة كافور، كما يقول المتنبّي في مدح كافور أيضاً:

تَرَعرَعَ المَلِكُ الأُستاذُ مُكتَهِلاً قَبلَ اكتِهالٍ أَديـبـاً قَبلَ تَــأديـــبِ

مُجَرَّبًا فَهِمًا مِن قَبلِ تَجرِبَةٍ مُهَذَّبًا كَرَمًا مِن غَيرِ تَهــــذيــــــبِ

حَتّى أَصابَ مِنَ الدُنيا نِهايَتَها وَهَمُّهُ في ابتِداءاتٍ وَتَشـــبـــيــــبِ

يُدَبِّرُ المُلكَ مِن مِصرٍ إِلى عَدَنٍ إِلى العِراقِ فَأَرضِ الرومِ فَالنُوَبِ

إِذا أَتَتها الرِياحُ النُكبُ مِن بَلَدٍ فَما تَهُــبُّ بِهــا إِلّا بِتَرتــيـــــــبِ

وَلا تُـــــجاوِزُها شَمسٌ إِذا شَرَقَت إِلّا وَمِنهُ لَها إِذنٌ بِتَغــريــــبِ

يُصَرِّفُ الأَمرَ فيها طينُ خاتِمِهِ وَلَو تَطَلَّسَ مِنهُ كُلُّ مَكتوبِ (تطلَّسَ: انمحى)

يَحِطَّ كُلَّ طَويلِ الرُمحِ حامِلُهُ مِن سَرجِ كُلِّ طَويلِ الباعِ يَعبوبِ (اليعبوب هو الفرس الواسع الخطوة)

كَأَنَّ كُلَّ سُؤالٍ في مَسامِعِهِ قَميصُ يوسُفَ في أَجفانِ يَــــعــقوبِ

وهذه الأبيات من منتصف القصيدة، لكننا سنفهم أكثر من خلالها، طبيعة علاقة أبي الطيب بأبي المسك كافور، تحديداً من الأبيات السابقة على المديح مباشرةً، والأبيات الأخيرة، أمَّا الأبيات التي سبقت المديح، فيقول:

وَمِن هَوى كُلِّ مَن لَيسَت مُمَوَّهَةً تَرَكتُ لَونَ مَشيبي غَيرَ مَخــــضوبِ (ويقصد بالتمويه التزيين والصباغ)

ومِـــن هَوى الصِدقِ في قَولي وَعادَتِهِ رَغِبتُ عَن شَعَرٍ في الرأسِ  مَكذوبِ

لَيتَ الحَوادِثَ باعَتني الَّذي أَخَذَتْ مِنّي بِحِلمي الَّذي أَعطَت وَتَجريبي (يقصد أن الحياة بدّلته صباه بالحكمة والصبر، فتمنى أن تعيد له صباه، وتأخذ منه حِلمه)

حيث يضمِّن المتنبّي في هذه الأبيات ما يصبِّرُ به نفسه على مديح كافور، فيصف نفسه وقد بلغ الشيب رأسه، ورفض التزيُّن، أو إخفاء بياض شَعره، ثمَّ أنَّ الأيام قد أخذت منه صباه، وبدلته إياه حكمةً وصبراً، وليتها لم تفعل، كما أنَّ هذا الأسلوب ليس غريباً عن المتنبّي، حيث اعتاد أن يضمِّن معنى في الآخر، لكنه في مديح كافور، لطالما وضع أبياتاً من هذه الشاكلة، حتى أن حاشية كافورٍ نبهته إلى ذلك، لكن أبا المسك لم يحفل أول الأمر.

أما آخر أبيات القصيدة، التي يؤكد مطامع المتنبّي في الجاه والسلطان، هو:

يا أَيُّها المَلِكُ الغاني بِتَسمِيَةٍ في الشَرقِ وَالغَربِ عَن وَصفٍ وَتَلقيــبِ

أَنتَ الحَبيبُ وَلَكِنّي أَعوذُ بِهِ مِن أَن أَكونَ مُحِبًّا غَيرَ مَحبوبِ

تعتبر هذه الأبيات أهم ما مدح فيه المتنبّي، كافوراً، لكن لماذا هجاه، وكيف غير فيه عهده؟

5

كيف تدرَّج المتنبّي من مديح كافورٍ إلى هجائه؟

كما قلنا سابقاً، فإن المتنبّي كان له عند كافور مقاصد غير المكوث تحت جناحه، ولما بدا له أنَّه لن ينال منها شيءً، بدأ الجفاء بينهما، ويمكن تتبع مراحل هذا الجفاء من خلال شِعره في هذه المرحلة، حيث كتب عدة قصائد لم يذكر فيها كافوراً، ولم ينشده إياها، وسنعرض لكم التسلسل ابتداءً من القصيدة التي كتبها إلى سيف الدولة، عندما بلغه أن أبا الطيب قد مات، فنظم إليه، نافياً خبر موته (قَد كانَ شاهَدَ دَفني قَبلَ قَولِهِمِ جَماعَةٌ ثُمَّ ماتوا قَبلَ مَن دَفَنوا... ما كُلُّ ما يَتَمَنّى المَرءُ يُدرِكُهُ تَجري الرِياحُ بِما لا تَشتَهي السُفُنُ)، كما ضمَّنها عتاباً لصاحبه القديم، والقصيدة لا تخلو من الشكوى أيضاً، (بِمَ التَعَلُّلُ لا أَهلٌ وَلا وَطَنُ وَلا نَديمٌ وَلا كَأسٌ وَلا سَكَنُ)، لكن مربط الفرس في الأبيات الأخيرة، حيث يقول في كافور:

وَإِن تَأَخَّرَ عَنّي بَعضُ مَوعِدِهِ فَما تَأَخَّرُ آمالي وَلا تَهِــنُ

 هُوَ الوَفِيُّ وَلَكِنّي ذَكَرتُ لَهُ مَوَدَّةً فَهوَ يَبلوها وَيَمتَحِنُ

إضافة إلى بيتٍ يقول فيه لسيف الدولة:

وَإِن بُليتُ بِوُدٍّ مِثلِ وُدِّكُمُ فَإِنَّني بِفِراقٍ مِثلِهِ قَمِنُ (قَمِنُ: جدير أو قريب)

هذه القصيدة الفصيحة، إنما تحمل إشاراتٍ كثيرة، ودلالاتٍ متعددة، نلاحظ من خلالها، أنَّ آمال أبي الطيب بدأت تضمحل، كما أنَّه بدأ يشك في وفاء كافورٍ له، لكنه استمر في مديحه بعدها، في أكثر من مناسبة، وفي أكثر من قصيدة، إلّا أنَّه أيضاً، كتب من الشِعر في هذه الفترة، ما لم يخبر كافوراً به، ومنها ما كتبه لما أصابته الحمى، فلم يجد العناية التي توقعها من مُضيفه (وَلا أُمسي لِأَهلِ البُخل ضَيفاً وَلَيسَ قِرىً سِوى مُخِّ النِعامِ) وليس للنعام مخ، كما ورد في تفسير البيت، حيث كتب هذه القصيدة سنة 959م، ومنها:

وَلَم أَرَ في عُيوبِ الناسِ شَيئاً كَنَقصِ القادِرينَ عَلى التَمامِ

أَقَمتُ بِأَرضِ مِصرَ فَلا وَرائي تَخُبُّ بِيَ المَطِيُّ وَلا أَمــامي

وَمَلَّنِيَ الفِراشُ وَكانَ جَنبي يَــــمَــــلُّ لِـقــــاءَهُ في كُــــلِّ عـــامِ

قَليلٌ عائِدي سَقِمٌ فُؤادي كَثيرٌ حاسِدي صَعبٌ مَـــرامي

عَلـــيــلُ الجِسمِ مُمتَنِعُ القِيامِ شَديدُ السُكرِ مِن غَيرِ المُـدامِ

تمثل هذه الأبيات، النقلة الأولى في العلاقة بين المتنبّي وكافور، رغم أنَّه مدحه بعدها، لكنه بدأ يهجيه أيضاً في هذه الفترة، إلى أنْ رحل عن مصر أخيراً، وقال في كافور هاجياً، بقدر ما قال فيه مدَّاحاً.

6

المتنبّي في هجاء كافور

ذاب الصبر وانتهى، ولم يعد للمتنبّي في مصر مقام، فكافور أخذ منه قصائد المديح، التي انتشر خبرها في مملكته، وبين العرب، أنَّ أبا الطيب قد قال في كافور كذا وكذا، لكنه ما أجزاه عن ذلك كما أراد، حتى أنَّه أعرض عنه لما أصابته الحمى، فانقلب لسان المتنبّي، حيث قرر على ما يبدو، أن يستعيد ما أعطاه لكافور، بنفس الطريقة، فنظم بعض القصائد قبل ترك مصر، وأخرى بعد مغادرتها، وإنْ اختلفت المصادر على تاريخ القصائد، من حيث أيها الأقدم، لكنهم اتفقوا أنَّها من أبلغ ما قيل في الهجاء، خاصة وأن صاحبها، كان بالأمسِ في البلاط يمدح؛ فإذا به اليوم يهجي، نستعرض في هذه الفقرة بعض أبيات المتنبّي في هجاء كافور.

هذه قصيدة كتبها، لما رأى تشقق أقدام كافور، والأرجح أنَّه نظمها أثناء مكوثه عنده، وقد أفصح فيها عن مآربه، وأنَّه ما مدحه إلا طمعاً، كما بيَّن خيبته:

أُرِيكَ الرّضَى لوْ أخفَتِ النفسُ خافِيا وَمَا أنَا عنْ نَفسي وَلا عنكَ رَاضِيَا

أمَيْناً وَإخْلافاً وَغَدْراً وَخِسّـــةً وَجُبْنــاً أشَخـــصــاً لُـــحــــتَ لي أمْ مـخـــــازِيـــا

تَظُنّ ابـتِسَامــاتي رَجاءً وَغِبْطَةً وَمَـــــا أنَـــــا إلاّ ضـــاحِـــــكٌ مِـــنْ رَجَـــائِـــيَـــا

وَتُعجِبُني رِجْلاكَ في النّعلِ، إنّي رَأيتُكَ ذا نَعْلٍ إذا كــــــنـــــتَ حَافِـــيَـا

وَإنّكَ لا تَدْري ألَوْنُكَ أسْوَدٌ من الجهلِ أمْ قد صارَ أبيضَ صافِــيَا

وَيُذْكِرُني تَخييطُ كَعبِكَ شَقَّهُ وَمَشيَكَ في ثَوْبٍ مِـــــنَ الــــزّيتِ عارِيَــــا

وَلَـــــوْلا فُضُولُ النّاسِ جِئْتُكَ مادحاً بما كُنتُ في سرّي بِهِ لكَ هاجِيَا

فأصْبَحْتَ مَسـرُوراً بمَا أنَا مُنشِدٌ وَإنْ كانَ بالإنْشادِ هَجــــوُكَ غَالِيَــــا

فإنْ كُنتَ لا خَيراً أفَدْتَ فإنّني أفَــــدْتُ بلَــحظي مِشفَرَيكَ المَــلاهِـــيَــا (يشبه شفتيه بشفاه البعير، وقد استمتع برؤيتها كشيء مضحك)

وَمِثْلُكَ يُؤتَى مِــنْ بِلادٍ بَـــــــعيدَةٍ لـــــــيُضْحِكَ رَبّــــــاتِ الحِـــــدادِ البَوَاكِــــيَـــــا

وقال يهجيه أيضاً:

من أيّةِ الطُّرْقِ يأتي مثلَكَ الكَرَمُ أينَ المَحاجِمُ يا كافُورُ وَالجَلَمُ

جازَ الأُلى مَلكَتْ كَفّاكَ قَدْرَهُمُ فعُرّفُوا بكَ أنّ الكَلْبَ فــوْقَهُمُ

ســاداتُ كلّ أُنَاسٍ مِنْ نُفُوسِهِمِ وَسادَةُ المُسلِــمينَ الأعْبُدُ القَـزَمُ

أغَايَةُ الــدّينِ أنْ تُحْفُوا شَوَارِبَكم يا أُمّةً ضَحـكَتْ مِن جَهلِها الأُمَـــمُ

ألا فَتًى يُورِدُ الهِنْدِيَّ هَامَتَهُ كَيما تزولَ شكوكُ النّاسِ وَالتُّهمُ

فإنّهُ حُجّةٌ يُؤذي القُلُوبَ بهَا مَنْ دينُهُ الدّهرُ وَالتّعطيلُ وَالــقِــدمُ

مـا  أقــدَرَ الله أنْ يُخْزِي خَليقَتَهُ وَلا يُصَـدِّقَ قَوْماً في الذي زَعَمُوا

وربما تكون قصيدته التالية، من أبلغ ما قال في الهجاء، إلا أنَّه أبدى عنصرية مقيتة، ربما كانت مقبولةً في زمانه، لكنَّها ليست مقبولةً في زمننا هذا، إلا أنَّ لوقت القصيدة أهمية كبيرة، حيث كانت أسواق النخاسة مازالت تبيع بالبشر وتشتري، سوداً وبيضاً، فاستغل المتنبّي أنَّ كافوراً كان أسوداً، اشتراه الإخشيد من سوق النخاسة، وقيل أنَّه كتب هذه الأبيات عند خروجه من مصر:

الــــعَبْــــدُ لَيْسَ لِـــــحُرٍّ صَــــالِحٍ بــــــأخٍ لَـــــوْ أنّـَـــهُ في ثِيَـــــــــابِ الــــحُرّ مَوْلُودُ

لا تَشْـــتَرِ الـــعَـــبْــــدَ إلاّ وَالــــعَــــصَــــا مَعَهُ إنّ العَبيدَ لأنْجَــاسٌ مَنَـــــاكِــــيــــدُ

ما كُنتُ أحْسَبُني أحْيَا إلى زَمَنٍ يُـسِيءُ بي فيهِ عَبْدٌ وَهْوَ مَحْــمُــودُ

ولا تَوَهّمْتُ أنّ النّاسَ قَدْ فُــقِدوا وَأنّ مِثْلَ أبي البَيْضاءِ مَوْجـــودُ

وَأنّ ذا الأسْوَدَ المَثْقُوبَ مَشْفَرُهُ تُطيعُهُ ذي العَضَاريطُ الــرّعـاديـــد

جَوْعانُ يأكُلُ مِنْ زادي وَيُمسِــكني لكَيْ يُقالَ عَظيمُ القَدرِ مَقْـــصُــــودُ

مَنْ عَلّمَ الأسْوَدَ المَخصِيّ مكرُمَةً أقَوْمُهُ البِيضُ أمْ آبَاؤهُ الــصِّــيــدُ

أمْ أُذْنُـــــهُ في يَــــدِ الــنَخّاسِ دامِــــــيَـــــةً أمْ قَدْرُهُ وَهْـــــوَ بالفِلْسَينِ مَرْدودُ

أوْلى اللّئَــــــامِ كُوَيْفِيرٌ بمَــــعْذِرَةٍ في كـــــلّ لُـــــؤمٍ، وَبَعضُ الـــعُــذرِ تَفنيـــدُ

وَذاكَ أنّ الفُحُولَ البِيضَ عاجِزَةٌ عنِ الجَميلِ فكَيفَ الخِصْيةُ السّودُ؟

كما قال الكثير في هجاء حبيب الأمس، بل أنَّه كتب في مصر بيتين، أقل ما يقال أنَّهما من قبيل تأمين تذكرة العودة إلى حلب، فقال قاصداً سيفها:

فَارَقْتُكُمْ فإذا ما كانَ عِندكُمُ قَبلَ الفِراقِ أذًى بَعدَ الفراقِ يَدُ

إذا تَذكّرْتُ ما بَيني وَبَيْنَكُمُ أعانَ قَلبي على الشّوْقِ الذي أجِدُ

خلاصة القول؛ أنَّ أبا الطيب لم يقصد كافوراً إلا طامعاً، ولم يمدحه إلا راغباً في ولاية أو جاه، يفوق جاهه في مجلس سيف الدولة، كما أنَّ المتنبّي الشاب في حلب والشام، غيرَ المتنبّي الكهل الذي غادر مصر إلى العراق وبلاد فارس، حيث كانت حميته في صباه، تساعده أن يُعجبَّ بشخص فيمدحه، لكنه في كهولته، أصبح يفكر أكثر في المقابل، كما أنَّ هذه "المتلازمة" لم تقتصر على المتنبّي وحده، حيث أنكَ إنْ بحثتَ اليوم، ستجد من الشعراء والمغنين، من مدح فلاناً، فلمَّا تغير زمانه هجاه.

التعليـــقات
جميع التعليقات تعبر عن وجهة نظر اصحابها وليس عن وجهة نظر